روايات وقصص

حماتى وضرتى لمنى السيد

“إيه التخاريف دي يا دكتورة؟” حماتي قالتها وهي بتحاول تسترد ثقتها المصنوعة، بس صوتها المره دي خانها وطالع فيه بحة قلق: “ما تنطقي! جايبالنا ملفات قديمة ليه دلوقتي؟ جاي تداري خيبتك وتعمليلنا حوارات في وسط المستشفى عشان تداري إنك شجرة ناشفة؟”

ضحكت… بس ضحكة هادية، من غير أي انفعال.

“شجرة ناشفة؟” كشفت التقرير على المكتب وخليت الحبر الأزرق والختم النسر يبانوا زي الشمس تحت إضاءة العيادة. “التقرير ده يا حاجة فايزة من خمس سنين، من أول سنة جواز لينا أنا وكريم. كريم اللي حضرتك جيتي تحميه مني وتبوسي أيدك وش وضهر إنه اتجوز ست تانية تشيل اسمه… ابنك كريم عنده عقم كامل وانسداد دائم، نسبته في الخلف طبيعي بتمتنع تمامًا… **صفر**.”

الكلمة نزلَت على الأوضة زي الصاعقة. الممرضة اللي كانت واقفة جنب الباب شهقت وغطت بقها بإيدها، والصمت ساد المكان، صمت ثقيل يشبه الصمت اللي بيسبق انفجار المفاعل!

الحاجة فايزة ألوان وشها اتغيرت في ثواني، من الأبيض للأسود للأحمر. عينها راحت على الورقة، وبعدين على ندى، وبعدين صرخت فيا بصوت طالع بالعافية: “إنتي كذابة! إنتي مفبركة التقرير ده عشان تحرقي قلبي! ابنك زي الفل ومفيهوش الهوا! اتجوز عليكي عشان إنتي مش ست، عشان إنتي عاقر!”

“التقرير ده مختوم من أكبر معمل ذكورة في مصر، وموقع عليه رئيس القسم اللي كان أستاذي في الكلية،” قلتها وأنا بقرب التقرير منها أكتر بثبات: “تقدر تاخديه وتروحي لأي دكتور في العالم تسأليه عن التقرير ده. أنا اللي استحملت الخمس سنين دول يا حاجة فايزة… استحملت إهاناتك، واستحملت كلام الناس، واستحملت تضربيني بالكلمة رايحة جاية، وكل ده ليه؟ عشان أحمي ‘رجولة’ ابنك اللي جرى استخبى ورا ضهري وترجاني بالدموع إني ما أفضحهوش ولا أكسر عينيه قدامك!”

في اللحظة دي، ندى كانت وشها أصفر زي الميتين. رجليها ما بقتش شايلاها، وسندت على حافة المكتب بالراحة وهي بتبصلي بذهول… بس مش ذهول الصدمة بس، ذهول واحدة اتمسكت متلبسة!

أنا ما كانتش عيني على حماتي بقدر ما كانت عيني على ندى…

الحاجة فايزة بصت لندى وهي بتنهج وتقول بخوف ورعشة في شفايفها: “ندى… ندى قولي حاجة! قولي إن الدكتورة دي بتتبلى عليكي وعلى جوزك! قولي إنها غيرانة منك عشان إنتي حامل في حفيد العيلة!”

ندى ما نطقش. كانت بتبص للأرض، وشفايفها بترتعش، وعرق بارد نازل على جبهتها.

قعدت على كرسي مكتبي، حطيت رجل على رجل، وسندت دقني على إيدي وأنا ببتسم لندى بنفس الابتسامة اللي كانت لسه مبتسماها لي من شوية:

“البيبي زي الفل يا مدام ندى… ما شاء الله صحته ممتازة وقياساته مظبوطة بالملي على الحسابات. بس السؤال المهم اللي لازم الحاجة فايزة تسألوهولك دلوقتي… **ابن مين اللي في بطنك ده يا شاطرة؟**”

حماتي صرخت صرخة هزت أرجاء قسم النساء والتوليد كله: “إنتي بتقولي إيييييه يا فاجرة؟! إنتي بتتهمي كنّتي في شرفها؟!”

“أنا بتكلم بالعلم يا حاجة،” قلتها ببرود أشد من التلج: “جوزك يا ندى ما يجيش منه خِلفة… مطلقًا. إلا لو كنتوا عملتوا حقن مجهري، وساعتها كبسولات الأجنة والعملية بتتعمل في مستشفيات ومعامل محددة، وأنا أعرفها بالواحدة ومفيش أي أوراق بتقول إن كريم عمل العملية دي. ده غير إن كريم أصلاً مكنش معاه جنيه يصرفه على حقن مجهري بعد ما حضرتك أخدتي منه شوشته عشان تجوزيه!”

الحاجة فايزة مسكت ندى من دراعها بغل وهزتها بعنف: “انطقي يا بت! انطقي قولي إنها بتكذب! قولي إن اللي في بطنك ده ابن كريم!”

ندى بدأت تعيط بهستيريا، تحاول تسحب إيدها من حماتي وهي بتقول بصوت مقطوع: “يا حاجة فايزة افهميني… يا حاجة والله العظيم كريم…”

“كريم إيه؟!” الباب اتفتح فجأة… المره دي بجد.

كريم كان واقف على الباب. كان جاي وراهم عشان يلحق المهزلة اللي أمه جرت تعملها في عيادتي، بس شكله كان سامع آخر كلمتين. وش كريم كان شاحب، باين عليه إنه مش قادر يقف على حيليه. بص في الأرض، ومقدرش يحط عينه في عيني ولا لحظة.

حماتي جرت عليه زي المجنونة، مسكت فيه من حتة قماشة قميصه وهي بتصرخ: “كريم! قول للدكتورة دي إنها كذابة! قولها إن التقرير ده مزور! قولها إنك بتخلف وإن اللي في بطن ندى ده ابنك وحفيد العيلة اللي حلمت بيه!”

كريم بصلها بكسرة… كسرة راجل عارف إن حبل الكذب اتعقد على رقبته وخلاص المشنقة اتسحبت.

“رد يا كريم!” صرخت أمه وهي بتضربه على سدره: “رد على أمك! قولي إنها بتبلت عليك!”

كريم بصلي بعيون مليانة دموع ورجاء، كأنه لسه بيترجاني أنقذه، بس المرة دي… الخمس سنين كانوا كفاية أوي. كفاية وجع، كفاية إهانة، وكفاية تضحية بشر في ناس ما يستاهلوش حتى نظرة حسرة.

كريم وطي راسه للأرض وقال بصوت خافت ومخنوع: “التقرير صح يا أمي… أنا العيب مني.”

الأوضة كلها سكتت. الحاجة فايزة إيدها وقعت من على قميصه كأنها اتكهربت. خطت خطوة لورا وهي مش مصدقة، بتبص لابنها الوحيد، سندها اللي كانت بتباهي بيه الدنيا وتدوس على خلق الله علشانه.

“إيه؟” قالتها بذهول: “أنت… أنت بتقول إيه؟ أومال… أومال ندى…؟”

التفتت الحاجة فايزة لندى زي اللبؤة الجريحة. ندى طلبت الرحمة بعينيها، وبدأت تتراجع ناحية الباب وهي بتصرخ: “يا كريم قولها! قولها إنك عارف! قولها إنك إنت اللي وافقت!”

الكلمة دي نزلَت زي الزلزال في العيادة.

كريم رفع راسه فجأة وصرح فيها: “اخنسي يا زبالة! اخنسي وسدي بؤك!”

بس ندى كانت خلاص غرقانة فقررت تغرق الكل معاها، بصت للحاجة فايزة وقالت وهي بتشهق من العياط: “ابنك هو اللي اتقفق معايا! ابنك كان عارف إنه ما بيخلفش، وكان خايف منك ومن كلام الناس! هو اللي قاللي نتجوز ونسكت ولو حملت مش هيسأل ولا يفتح بؤه، عشان يثبت للناس كلها إنه راجل وإنه بيخلف وأن العيب في إيمان!”

الممرضات كتموا أنفاسهم من هول المفاجأة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى