
الحاجة فايزة بصت لابنها، وبعدين بصت لندى، وبعدين بصتلي أنا… أنا اللي كنت واقفة ورا مكتبي بكل ثبات، لامة أوراقي وحاجتي بالراحة.
حماتي حطت إيدها على قلبها، ورجليها خانيتها وقعدت على أقرب كرسي وهي مش قادرة تاخد نفسها، كبرياؤها كله اتدمر في لحظة، غرورها اللي دخلت بيه العيادة اتحول لحسرة وكسرة عين مش هتتمحي طول عمرها.
-
ابنى مانطقش ولا كلمهمنذ يومين
-
رواية كاملةمنذ 4 أيام
-
القصة كاملة بقلم محمد عبدهمنذ 4 أيام
-
قصة ابن أختي عاش في بيتي بعد أمهمنذ 4 أيام
قربت من المكتب، لميت التقرير الطبي بالراحة، وحطيته جوة شنطتي. بصيت لكريم وقلت له بصوت واطي بس كل الأوضة سمعته:
“أنا حميتك خمس سنين يا كريم… صنتك وصنت كرامتك ورجولتك قدام أهلك والدنيا كلها، وانت سيبت أمك تاكل في لحمي وتسميني الشجرة الناشفة كل يوم وهي ما تعرفش إن الشجرة دي هي اللي كانت مظللة عليك وحامياك من الشفايف اللي كانت هتاكلك.”
بصيت للحاجة فايزة وقلت لها: “يا حاجة فايزة… الشجرة الناشفة هي اللي كانت حامية بيتك من الفضيحة. ورقتك الطلاق توصلني بكرة يا كريم… وإلا التقرير ده، بالشهود اللي في الأوضة، هيبقى في القضايا بكرة الصبح.”
مشيت من جنبهم وراسي مرفوعة لفوق، خطواتي كانت بتدب على أرض المستشفى بثقة عمرها ما كانت عندي قبل كده. سبتهم جوة بياكلوا في بعض، الفضيحة والشك والغدر بقوا في وسطهم، وأنا… أنا أخيرًا اتنفست حرية بعد خمس سنين سجن!
2
حماتى وضرتى لمنى السيد ٢
خرجت من باب قسم النساء والتوليد، والهوا البارد اللي برة المستشفى خبط في وشي كأنه بيرد فيا الروح من جديد. لأول مرة من خمس سنين أستنشق هواء حقيقي، مش ملوث بريحة الظلم وكلام حماتي المسموم وكسرة عيني اللي فرضتها على نفسي بحجة “الأصل والجدعنة”.
ورايا جوة، كان صوت الصراخ والعياط طالع من الأوضة مسموح لأخر الممر… صوت الحاجة فايزة وهي بتنادي على كريم، وصوت كريم وهو بيتخانق مع ندى، والناس في صالة الانتظار بيتهامسوا وعيونهم زي الفلاشات بتطارد السر اللي اتفضح بعد طول كتمان. بس أنا؟ ما بصلتش ورايا ولا خطوة واحدة. اللي يبيعك بكلمة، ما يلزمهوش حتى تحس بالشفقة عليه لما الدواير تدور عليه.
ركبت عربيتي، وقعدت ورا الدركسيون ثواني… دموعي نزلت، بس مش دموع حزن، كانت دموع القهر اللي اتحبس جوة صدري كل السنين دي وأخيرًا خرج. دموع الفرج. شغلت العربية ومشيت على بيتي… بيتي اللي تحول مع الأيام لسجن، والنهارده بس قررت أهده فوق رؤوس اللي ظلموني.
وصلت الشقة، فتحت الباب ودخلت. المكان كان هادي، صامت، زي المقبرة. لميت هدومي بالراحة وبمنتهى الثبات. فتحت الشنط وحطيت فيها كل حاجة تخصني: أوراقي، شهاداتي، هدومي، حتى الصور اللي كانت بتجمعني بكريم رميتها في سلة القمامة من غير ما يرف لي جفن.
وأنا بلم حاجتي، الباب اتفتح وفجأة دخل كريم.
كان شكله يرحم… وش أصفر، عينيه جاحظة، قميصه متبهدل، ورجليه مش شايلاه. أول ما شاف الشنط مفتوحة على السرير، جرى عليا ورمى نفسه عند رجلي، مسك في رجلي وبكى بصوت طالع بالعافية زي الأطفال:
“إيمان… أرجوكي يا إيمان ما تمشيش! أنا آسف… والله العظيم آسف! أنا كنت ضعيف، كنت خايف أواجه أمي، كنت خايف من نظرة الناس ليا إني مش راجل! إنتي عارفة مجتمعنا بيعمل إيه في الراجل اللي ما بيخلفش! سامحيني يا إيمان وحقك على راسي!”
بصيت له من فوق لتحت ببرود أشد من الثلج. نفضت رجلي من إيده بقوة، ورجعت خطوة لورا:
“انطق يا كريم… قوم اقف على حيلك بلاش تمثيل. الخوف من الناس يخليك تظلم مرتك؟ الخوف يخليك تبص لأمك وهي بتهينني وبتناديني ‘الشجرة الناشفة’ وانت واقف ساكت وموافق؟ ده مش ضعف يا كريم… دي خيانة ونذالة! انت مش بس سبتني أتشال ذنبك، انت رحت اتجوزت وحدة تانية واتفقت معاها تجيب لك عيل من الشارع عشان تستر على نفسك وتلبسني أنا العار!”
كريم هز رأسه بنفي بهستيريا: “والله العظيم ما كنت أعرف إن الجنين مش مني! هي خدعتني! قالت لي إنها بتحبني وهتقبل تعيش معايا بشرطي، وأنا صدقتها… أنا كنت أعمى يا إيمان!”
“انت مريض يا كريم،” قلتها وأنا بقفل سوستة الشنطة الأخيرة بصوت حاد: “مريض بكبرياء زائف. أخدت ستر ربي ليك ودست عليه، وبعت الست اللي صانتك وشالت سرك خمس سنين كاملة عشان شوية منظرة قدام أمك والشارع. دلوقتي الحقيقة خرجت، والناس كلها عرفت مين الشجرة الناشفة، ومين اللي بيخدع مين.”
سحبت الشنط ومشيت ناحية الباب، وقف قدامي وهو بيحاول يمنعني: “مش هسيبك تمشي يا إيمان! أنا بحبك… إنتي الحقيقة الوحيدة في حياتي!”
ضحكت بصوت عالٍ… ضحكة مفيهاش أي فرحة: “تحبني؟ انت ما بتحبش غير نفسك يا كريم. لو بتحبني بجد كنت حميتني من أسلوب أمك. ابعد عن طريقي بدل ما الم عليك العمارة باللي حصل في العيادة النهارده، وانت عارف إن الممرضات زمانهم وزعوا الخبر على مصر كلها.”
الكلمة جمدته في مكانه. خاف من الفضيحة أكتر ما خاف إنه يخسرني. ساب الباب ووقف يترعش، وأنا فتحت الباب وخرجت، وسيبته في الممر واقف لوحده مع ضياعه.
تاني يوم الصبح…








