روايات وقصص

حماتى وضرتى لمنى السيد

كنت قاعدة في مكتبي بالعيادة الخاصة بيا، مش مستشفى الحكومة. المكان كان هادي، والشمس داخلة من الشباك بتنور كل ركن. كنت حاسة براحة نفسية ما حسيتهاش من سنين طويلة. كأن جبل كان شايله صدري واتنزع بلمسة واحدة.

الباب اتفتح، ودخل المحامي بتاعي، وحط قدامي ورقة رسمية.

“تمام يا دكتورة إيمان… القضايا جاهزة، وورقة الطلاق للضرر اترُفعت اليوم، والتقرير الطبي المرفق في القاضية معاه شهادة الشهود من الممرضات يضمن لك كل حقوقك وبسرعة القياسية كمان.”

ابتسمت له وقلت: “شكراً يا أستاذ أحمد… أنا مش عايزة منه غير حريتي وحقوقي الشرعية، مش عايزة أي حاجة تفكرني بيه.”

وفجأة… الباب اتفتح من غير استئذان.

المرة دي، كانت الحاجة فايزة.

بس ما كانتش الحاجة فايزة بتاعة إمبارح. ما كانتش الست المتبخترة اللي داخلة بشرها وغرورها وتناديني باستهزاء. كانت واحدة ثانية خالص… ظهرها منحني، وشها دبلان، عينها مكسورة، ولابسة طرحتها بأي كلام كأنها خرجت من بيتها في حالة ذهول.

المحامي قام وقف واستأذن وخرج وسابنا لوحدنا.

وقفت الحاجة فايزة قدام مكتبي، بس المرة دي ما قعدتش ولا فتحت بقها بكلمة فرعنة. كانت بتبص لي بنظرة فيها التماس ورجاء… كسرة العين وحشة، خصوصاً لما تيجي للي كان فاكر نفسه فوق البشر.

“عايزة إيه يا حاجة فايزة؟” قلتها بهدوء وأنا بقلب في أوراق أمامي على المكتب: “جاية تكشفي ولا جاية تطمني على الحفيد؟”

الكلمة نزلت عليها زي السكين. شفايفها اترعشت وقالت بصوت مكسور وبحششرة: “إيمان… يا بنتي…”

“بنتك؟” رفعت راسي وبصيت لها بثبات: “من إمتى بقيت بنتك؟ مش أنا كنت الشجرة الناشفة؟ مش أنا اللي مش ينفع أكون أم؟ مش أنا اللي كنتي بتدخلي عليا قدام الناس وتقوليلي ربنا رزق ابني بالست اللي تديله الوريث؟”

دمعة نزلت من عين الحاجة فايزة، مسحتها ببدل طرحتها وخطت خطوة قرب المكتب: “أنا غلطت في حقك يا إيمان… والله العظيم غلطت. أنا كنت عمياء… ابنك وندى خدعوني، كريم حرق قلبي وكسر ظهري قدام الناقص والزايد. البيت اتخرب يا إيمان… ندى هربت عند أهلها بعد ما كريم طردها وضربها، والناس في المنطقة ما حيلتهمش غير الكلام علينا… كريم قاعد في الأوضة قافل على نفسه ومش راضي يكلم حد ولا يأكل… البيت انهد على دماغنا.”

سمعتها وأنا حاسة برود تام. مش شماتة، بس إحساس بالحقيقة لما تأخد مجراها الطبيعي.

“وانتِ جاية لي ليه دلوقتي يا حاجة؟” سألتها بهدوء.

حطت إيدها على المكتب وبكت بمرارة: “تعالي ارجعي يا بنتي… ارجعي وكتم الأسرار. تعالي نلم الموضوع، ونقول إن التقرير ده كان غلط، وإن كريم كان بيتعالج وسليم… ارجعي وحافظي على بيتك وجوزك، وأنا والله العظيم لأشيلك على راسي من فوق، ومش هخلي كلمة تطلع مني تزعلك العمر كله!”

ابتسمت لها ابتسامة حسرة على تفكيرها… لسه لحد دلوقتي بتفكر في كلام الناس والمنظرة، لسه ما اتعلمتش الدرس.

“ترجعي للكدب تاني يا حاجة فايزة؟” قلتها وأنا بقوم أقف قدامها: “عايزاني أرجع للظلم والتمثيل عشان أستر على ابنك اللي ظلمني؟ خمس سنين وأنا ساكتة وبدفع من صحتي وكرامتي ونفسيتي عشان أستر عليه، وفي الآخر رحتوا اتجوزتوا عليا وجبتوا لي وحدة تتنطط عليا في عيادتي! انتِ ما جيتيش هنا عشان بتحبيني يا حاجة… انتِ جيتي عشان خايفة من الفضيحة، خايفة من نظرة جيرانك وقرايبك لما يعرفوا إن الست اللي كنتي بتهينيها هي اللي كانت ستراكم، وإن ابنك اللي كنتي بتباهي بيه هو اللي فيه العيب!”

مسكت أوراق الطلاق وحطيتها قدامها: “أنا خلاص… الطلاق شغال في المحكمة، والسر اللي حكايته إمبارح قدام الممرضات بقى ملك الناس كلها. أنا مش هكدب تاني، ولا هداري على حد. الشجرة الناشفة اللي كنتي بتتريقي عليها… طلعت هي الشجرة الوحيدة اللي كانت مدلية أصل وطيبة وحماية لبيتك، بس انتِ قطعتي الفأس بإيديك.”

الحاجة فايزة بصت للورق، وبعدين بصت لي وهي مش قادرة تتكلم. عرفت إن خلاص مفيش أمل، وإن القصر الزجاجي اللي بنته من الكبر والغرور اتهدم فوق راسها وراس ابنها للأبد.

عدت شهور…

حياتي اتغيرت تماماً. العيادة كبرت وبقت من أشهر العيادات في المنطقة، اسمي دكتورة إيمان بقى مرتبط بالنجاح والقوة. الناس بقت بتجيلي مش بس عشان أطبب أجسادهم، لكن عشان يشوفوا الست اللي وقفت قدام الظلم واستردت كرامتها في لحظة شجاعة.

سمعت إن كريم طلق ندى بعد مشاكل وقضايا مالهاش أخر، وإن فضيحتهم بقت على كل لسان. ندى سابت البلد كلها ومشت، وكريم استقال من شغله وقفل على نفسه البيت، أمه بقت تمشي في الشارع وشه للأرض، ما بقاش لها صوت ولا قدرة على التباهي على حد.

في يوم من الأيام، كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة، شقة واسعة بتطل على النيل، والشمس كانت بتشرق بنور ذهبي مالي المكان. ماسكة كباية الشاي في إيدي، وبتبسم للدنيا.

أدركت إن الحق ممكن يتأخر، والظلم ممكن يطول ويسود لسنين، بس لما الحقيقة بتخرج… بتدمر كل الباطل في طريقها. أنا ما خسرتش حاجة… أنا كسبت نفسي، كسبت كرامتي، وأهم حاجة… كسبت حريتي.

رفعت راسي للسما وقلت من كل قلبي: “الحمد لله… أخيرًا الشجرة طرحت عز وكرامة.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى