Uncategorizedعام

قبل عيد ميلادي السبعين

3

قبل عيد ميلادي نبض الحكايات

يا ابنتي ، إنها مجرد هدية عيد ميلاد.

إلا أنها لم تقتنع بكلامي ، واستمرت في الحديث وكأن ابنها ارتكب أ كبيرًا ، ثم أنهت المكالمة وهي لا تزال غاة.

وبعد ساعات قليلة اتصلت بي ابنتي الثانية ، وفي البداية ظننت أنها ستفرح لأجلي أو على الأقل ستسألني عن موعد السفر ، لكنني فوجئت بها تقول مباشرة:

أنا لا أفهم لماذا وافقتِ أصلًا.

سألتها بدهشة حقيقية:

وافقت على ماذا؟

فقالت:

على أن يدفع كل هذه الأموال من أجلك وحدك.

ثم أضافت بعد لحظة:

لو أراد أن يسعدك كان يمكنه أن يفعل شيئًا أبسط.

كانت كلماتها مؤلم أكثر مما توقعت ، لأنها جعلتني أشعر وكأن فرحتي أصبحت عبئًا على الآخرين ، وكأن عليَّ أن أعتذر لأن أحد أبنائي قرر أن يفعل شيئًا جميلًا من أجلي.

ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء ، إذ تحولت معظم المكالمات العائلية إلى نقاشات طويلة تنتهي باللوم ، فواحدة كانت ترى أن أخاها أخطأ عندما أنفق هذا المبلغ ، والأخرى كانت ترى أنني أخطأت عندما قبلت الهدية ، أما أنا فكنت أقف في المنتصف ممزقة بين رغبتي في الاحتفاظ بتلك الفرحة الصغيرة وبين خوفي من أن تتحول إلى سبب  دائم بين أولادي.

وأصبحت أفتح حقيبة السفر ثم أغلقها بعد دقائق ، وأخرج الفستان الأزرق الذي اشتريته للرحلة ثم أعيده إلى مكانه ، وأجلس أحيانًا أمام الحقيبة وقتًا طويلًا دون أن ألمس شيئًا ، وكأنها تحولت فجأة من رمز للسعادة إلى سؤال كبير لا أعرف كيف أجيب عنه.

لكن أكثر ما  قلبي لم يكن كلام ابنتي ولا نظرات اللوم التي شعرت بها في بعض المكالمات ، بل رؤية ابني نفسه ، ففي البداية كان يحاول التظاهر بالقوة ويكرر أمامي:

لا تهتمي يا أمي.

لكنني كنت أعرفه أكثر من أي شخص آخر ، وكنت أرى الحزن مختبئًا خلف ابتسامته مهما حاول إخفاءه.

ثم جاء اليوم الذي لم يعد قادرًا فيه على التظاهر ، إذ كنا نجلس في المطبخ نشرب الشاي كعادتنا ، وفجأة وضع الكوب جانبًا وقال بصوت مكسور:

والله يا أمي لم أقصد إلا الخير.

ثم  صوته تمامًا ، ووضع رأسه بين يديه وبدأ يبكي بطريقة أعادتني سنوات طويلة إلى الوراء ، إلى يوم  والده ، يوم رأيته عاجزًا عن إخفاء ألمه للمرة الأخيرة.

حاولت أن أهدئه ، لكنه استمر في الكلام وأخبرني بشيء لم أكن أعرفه من قبل ، إذ قال إنه ادخر ثمن الرحلة على مدار أكثر من عام كامل ، وكان يقتطع جزءًا من راتبه كل شهر ويضعه جانبًا ، وكلما فكر في التراجع أو شعر أن المبلغ كبير كان يتذكر جملة كنت أقولها دائمًا دون أن أعيرها أهمية:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى