روايات وقصص

صاحب الأرض والمزارع

6

صاحب الأرض والمزارع جه يطردها

مقالات ذات صلة

وهذا ما كنت أبحث عنه طوال حياتي.. الفارق بيننا ليس في المكانة أو المال، بل في أنكِ أرفع منزلة وأقوى إيماناً ممن يملكون كل شيء.

دمعت عينا مريم، لكنها لم تتكلم، فكلماته لمست أعماق قلبها، ووجدت نفسها تدرك أنها هي الأخرى لم تعد تراه كصاحب الأرض أو السلطة، بل كشريك يحمل نفس الهم، ونفس الرغبة في العدالة.

في نفس الأيام، تعافت الست عائشة بشكل ملحوظ، فكانت تشارك في لقاءات أهل القرية، وتحكي لهم قصة الأمانة، وتدعوهم للتمسك بالحق مهما كان الثمن، وأصبحت بيتها الجديد، الذي أعاد كامل بناءه وتوسيعه، ملتقى للجميع، يأتونها لاستشارتها أو للدعاء لها.

قرر كامل أن يعلن عن مشروع جديد، وهو إنشاء جمعية تعاونية تجمع الفلاحين، وتضمن لهم أسعاراً عادلة لمنتجاتهم، وتوفر لهم التمويل والبذور والأسمدة، واختار مريم لتكون عضواً في مجلس إدارتها، لتكون صوت الفقراء والمظلومين داخل الجمعية، وهو ما لاقى قبولاً واسعاً من الجميع، فلم يعد أحد ينظر لها كفتاة فقيرة، بل كرمز للعدالة والصدق.

الجزء الخامس

بعد مرور عام على كشف الحقيقة، أصبحت القرية نموذجاً للتنمية، انتشرت المدارس والمراكز الصحية، وازدهرت الزراعة، وتغير حال الكثير من العائلات من الفقر للاستقرار، وكل ذلك بفضل ما تم استعادته من حقوق، وبفضل الإدارة الصادقة التي وضعت مصلحة الناس فوق كل اعتبار.

في يوم عيد الأضحى، جهز كامل احتفالاً بسيطاً في ساحة القرية، دعا إليه كل أهلها، وبعد انتهاء الاحتفال، وبينما كانا وحيدين على شاطئ النيل القريب من القرية، أخرج كامل علبة صغيرة، وتقدم من مريم، وقال بصوت دافئ

يا مريم.. لقد جمعنا القدر بطرق غريبة جداً، كنت جاي أطردكِ، فوجدتِ أنتِ من ينقذني وينقذ بلدي.. وكنتِ أظن أنني صاحب الحق، فاكتشفت أنكِ من تحملين الحق والكرامة.. أريد أن أكون شريككِ في كل ما تبقى من حياتنا، نكمل معاً ما بدأناه، نبني وطننا الصغير، وننشر العدالة حيثما كنا.. هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟.

بكت مريم بفرح لم تعرفه من قبل، وارتجف صوتها حين أجابت نعم يا كامل.. قبلتُ، وسأكون معكِ دائماً حتى نحقق كل ما نحلم به.

تزوجا بعد أشهر قليلة، في حفل جمع البساطة والفرحة، حضره أهل القرية جميعاً، وشاركوهما فرحتهم، وأقاموا لهم موكباً سار في شوارع القرية، كتعبير عن حبهم وتقديرهم لما فعله كل منهما للآخر ولأهلهم.

لم يتغير حال مريم بعد الزواج، لم تلبس الملابس الفاخرة أو تغير من عاداتها، بل ظلت تذهب للورشة يومياً، وتزور الفلاحين في الحقول، وتستمع لشكاوى الناس، فكانت القلب الرحيم الذي يخفف عنهم، وكان كامل العقل المدبر الذي يحقق العدالة، فأكملا بعضهما البعض بشكل مثالي.

زارتهما ذات يوم مجموعة من كبار رجال الأعمال والمسؤولين،

ليعرفوا منهما سر نجاحهما، فقالت مريم ببساطتها المعهودة السر مش في المشاريع الكبيرة ولا في الفلوس.. السر إنك تكون عارف إنك خادم للناس، مش سيد عليهم.. وإنك تاخد الحق من قلبك قبل ما تاخده من القانون.

كلماتها انتشرت في كل مكان، وأصبحت مقولة يُحتذى بها، وبدأت العديد من القرى الأخرى تتبع خطاهم، وتطبق نفس المبادئ في التنمية والعمل الجماعي.

الجزء السادس

مرت السنوات، وكبر أبناء كامل ومريم، فتعلموا منذ الصغر قيم الصدق والوفاء والعدالة، واختار الابن الأكبر دراسة الهندسة ليشارك في بناء المشاريع، واختارت الابنة الصغرى دراسة الاقتصاد لتعمل في الجمعية التعاونية، واستكملا معاً مسيرة والديهما.

ظلت الست عائشة تعيش معهم، تملأ البيت بروحها الطيبة، وتحكي لأحفادها قصة الأمانة، وكيف أن الحق مهما طال الزمن لا بد أن يظهر،

وكيف أن الفقر لا يمنع من الكرامة، والمال لا يمنح السعادة إن لم يكن في طريقه الصحيح.

قاما بإنشاء مشروع كبير لري الأراضي الصحراوية، فأضافوا مساحات واسعة للزراعة، ووفرا فرص عمل لآلاف الشباب، وكرسا جزءاً كبيراً من أرباحه لدعم الفقراء والمحتاجين، واشتهر اسم عائلة زهران بأنه رمز للعدالة والخير، وليس للسلطة والثروة فقط.

وفي كل عام، كانا يعيدان طلاء لوحة المستشفى، ويكتبان عليها اسم أم مريم، واسم الراحل سليم زهران، تذكيراً

بأن العمل الصالح لا ېموت، وأن الأمانة الصغيرة يمكن أن تغير مصير شعب بأكمله.

ذات يوم، وبينما كانا يمشيان في الحقل الذي كان يخطط عبد الستار لبيعه، وقف كامل ونظر لمريم، وقال بابتسامة تخيلي لو كنتُ طردتكِ في ذلك اليوم.. لو لم أرَ دمكِ على القماش، وآلامكِ وأنتِ تحاولين إنقاذ جدتكِ.. كنت ضعت كل الحق، وضاعت معه كل هذه الخيرات.

الله لا يضيع أجر المحسنين، ردت مريم وهي تضغط على يده. وما كنتش عارفة إن الصبر ده كله هيجيب لي هذا الخير، هذا البيت، وهذه العائلة، وهذا الوطن الصغير اللي بنبنيه معاً.

وهكذا انتهت القصة التي بدأت ، لتصبح قصة انتصار الحق، وثبات الكرامة، وكيف أن الفتاة الفقيرة التي لم تملك سوى إبرة خياطة وقلباً أميناً استطاعت أن تغير مصير القرية بأكملها، وتعيد الحق لمن يستحقه، وتثبت أن العدالة وإن تأخرت لا ټموت، وأن الصدق هو أقوى سلاح في وجه كل

ظلت قصتهم تُروى في الأجيال القادمة، ليكون درساً لكل من يظن أن القوة والمال يمكن أن تمحو الحق، وأن الأمانة الصغيرة هي التي تُبقى، والظلم مهما طال يُحاسب عليه صاحبه يوماً ما.

تمت

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى