روايات وقصص

سواق التاكس حكايات اسما

لقيت أحمد واقف بره، وملامحه كلها غضب، وقال:

“إحنا لازم نتكلم… حالًا.”

مقالات ذات صلة

ول ما شفت أحمد واقف قدام الباب، قلبي دق بسرعة.

مش خوف…

لكن توتر من الماضي اللي كنت فاكرة إني قفلته خلاص.

قال وهو بيبص لجوا الشقة:

“هو جوا؟”

رديت ببرود:

“آه… جوزي جوا.”

واضح إن الكلمة وجعته.

شد نفس طويل وقال:

“ممكن نتكلم خمس دقايق؟”

قبل ما أرد، كريم خرج من الصالة وهو ماسك كوب القهوة.

وقف جنبي بهدوء، من غير خناقة ولا صوت عالي.

بص لأحمد وقال:

“اتفضل… لو الكلام باحترام.”

أحمد ضحك بسخرية.

“إنت فاكر إنها اتجوزتك فعلًا؟ دي عملت كده عشان تغيظني.”

كريم ابتسم وقال:

“يمكن… لكن دلوقتي هي مراتي، والكلام معاها وهي اللي تقرر.”

أحمد بصلي وقال:

“أنا غلطت… ودينا كانت غلطة. سيبتها من أسبوع، واكتشفت إن محدش هيحبني زيك.”

ضحكت ضحكة قصيرة.

أول مرة كلامه ما يهزنيش.

قلت:

“فاكر لما كنت بترجع البيت متأخر وتقولي شغل؟ كنت مع دينا.”

سكت.

“وفاكر لما خليتني أروح أختار بدلة الفرح لوحدي؟ كنت مسافر معاها.”

فضل ساكت.

“دلوقتي جاي تقول غلطت؟”

قال بسرعة:

“كل الناس بتغلط.”

رديت:

“آه… بس مش كل الناس بتخون.”

قرب خطوة وقال:

“طلقيه… ونرجع نبدأ من جديد.”

في اللحظة دي، كريم مد إيده بهدوء وحطها على كتفي.

من غير ما يتكلم.

الإحساس بالأمان اللي حسيت بيه في اللحظة دي كان غريب.

بصيت لأحمد وقلت:

“إنت فاكر إن الجوازة دي بدأت عشان أغيظك.”

وسكت شوية.

“وده صحيح.”

ملامحه ارتاحت كأنه افتكر إن عنده أمل.

لكن كملت:

“إنما هتكمل… عشاني أنا.”

اتغير وشه.

“يعني إيه؟”

قلت بثبات:

“يعني حتى لو كريم كان مجرد راجل قابلته امبارح… فهو احترمني أكتر منك في يوم واحد، وإنت معرفتش تحترمني في سنين.”

سكت أحمد للحظات، وبعدها لف ومشي من غير كلمة.

قفلت الباب.

ولما بصيت لكريم، لقيته بيبتسم.

قلت له:

“إنت مش زعلان إني قلتلك من الأول إن الجوازة كانت مجرد انتقام؟”

هز راسه وقال:

“لا.”

“ليه؟”

ابتسم وقال:

“لأن اللي يبدأ بسبب غلط… ممكن يكمل بسبب حاجة صح.”

عدت الشهور.

وبدأنا نعرف بعض بجد.

اكتشفت إن كريم ماكانش مجرد سواق تاكسي.

كان خريج كلية تجارة، وكان عنده شركة صغيرة للنقل، لكن بعد وفاة والده اضطر يشتغل بنفسه على العربية عشان يسدد ديون الأسرة ويحافظ على شغل الموظفين اللي عنده.

كان راجل مكافح، وطيب، وبيضحك من قلبه.

وأهم من كل ده…

كان صادق.

بعد سنة بالضبط، رجعنا نفس المكان اللي اتصورنا فيه أول صورة بعد كتب الكتاب.

بس المرة دي، كنا لابسين فستان وبدلة من اختيارنا، وحوالينا أهلنا وأصحابنا.

والفرق إن الابتسامة المرة دي… ماكانتش عشان نثبت حاجة لحد.

كانت لأننا أخيرًا لقينا الشخص اللي القدر كان مأجله لسنين.

وأنا واقفة جنبه، افتكرت إن أغبى قرار أخدته في لحظة غضب…

كان هو القرار اللي غيّر حياتي للأفضل.

بعد الفرح بشهرين، بدأت الحياة تستقر.

بقينا نصحى سوا، نشرب القهوة في البلكونة، ونضحك على الطريقة الغريبة اللي اتجوزنا بيها.

وفي يوم، وأنا بنضف الدولاب، لقيت ملف بني قديم مكتوب عليه بخط إيد بابا:

“خاص بسارة.”

استغربت.

بابا كان متوفي من أربع سنين، ودي أول مرة أشوف الملف ده.

فتحته.

كان جواه صور قديمة، وبعض الخطابات، وظرف مقفول.

على الظرف كان مكتوب:

“يتفتح لما سارة تتجوز.”

إيدي كانت بترتعش.

فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.

“يا سارة…

لو إنتي بتقري الجواب ده، يبقى أكيد بقيتي زوجة.

في حاجة عمرها ما قدرت أحكيهالك.”

كل كلمة كنت بقراها، كانت بتخليني أتنفس بصعوبة.

بابا كتب إنه بعد ما انتقلنا من البيت القديم، فضل يحاول يدور على عيلة عم حسين، والد كريم.

كان عايز يرجع العلاقة بينهم.

لكن قبل ما يلاقيهم، حصلت له أزمة صحية، وبعدها الحياة شغلته.

وفي آخر الجواب كتب جملة خلت دموعي تنزل:

“لو القدر جمعك يومًا بابن حسين، اعرفي إن الدنيا لسه فيها معجزات.”

بصيت لكريم، اللي كان بيقرأ الجواب معايا.

قال وهو بيبتسم وسط دموعه:

“واضح إن القدر كان شغال من زمان.”

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف.

ورقة قديمة جدًا…

كانت عقد شراكة بين بابا ووالد كريم.

كانوا بيخططوا يفتحوا شركة نقل مع بعض.

المشروع ماكملش بسبب الظروف، لكن الحلم كان موجود.

كريم فضل ساكت شوية، وبعدين قال:

“إيه رأيك نكمله؟”

استغربت.

“نكمل إيه؟”

“حلمهم.”

بعد ست شهور، استخدمنا كل مدخراتنا، وبعنا عربية التاكسي.

واشترينا أول عربية نقل باسم الشركة الجديدة.

سميناها:

“أول طريق”.

لأن كل حاجة عظيمة… بتبدأ بخطوة.

مرت ثلاث سنين.

الشركة كبرت.

بقينا عندنا أكتر من عشرين عربية، وعشرات الموظفين.

وفي يوم، وأنا في المكتب، دخل كريم وهو مبتسم بطريقة غريبة.

قال:

“عندي حد عايز يشوفك.”

دخلت سيدة كبيرة في السن.

أول ما شفتها، حسيت إني شفتها قبل كده.

قالت بابتسامة:

“أنا أم دينا.”

اتوترت.

قعدت قدامي وقالت:

“بنتي خسرت كل حاجة بعد اللي عملته فيكي.”

سكتت شوية، وكملت:

“وجيت أعتذر… حتى لو متأخر.”

بصيتلها، وافتكرت الليالي اللي فضلت أعيط فيها بسبب بنتها.

لكن افتكرت كمان حياتي دلوقتي.

لو دينا ما خانتنيش…

عمري ما كنت هركب التاكسي ده.

وعمري ما كنت هقابل كريم.

ابتسمت للسيدة وقلت بهدوء:

“أنا مسامحة.”

خرجت وهي بتعيط.

بصلي كريم وقال:

“إنتي فعلًا سامحتي؟”

ابتسمت.

“سامحت الماضي… مش عشانهم.”

“أمال عشان مين؟”

مسكت إيده وقلت:

“عشاني… وعشان ما أضيعش السعادة اللي ربنا رزقني بيها وأنا لسه شايلة وجع قديم.”

ابتسم، وشدني نحوه.

وفي نفس اللحظة، دخلت السكرتيرة وهي بتضحك وقالت:

“مبروك يا مدام سارة… نتيجة التحاليل وصلت.”

بصيت لها باستغراب.

ناولَتني الظرف.

فتحته بسرعة.

ثم بصيت لكريم، ودموعي نزلت من الفرحة.

قلت بصوت مرتعش:

“هنبقى… بابا وماما.”

سكت كريم ثواني، كأنه مش مستوعب.

وبعدين حضني بقوة، وقال:

“أهو… الصورة القديمة أخيرًا هتبقى ليها صورة جديدة.”

وبعد تسعة شهور، اتصورت صورة تانية…

أنا وكريم، وبين إيدينا طفل صغير.

وحطينا جنب الصورة القديمة، اللي جمعتنا وإحنا أطفال، الصورة الجديدة اللي جمعتنا كأسرة.

واكتشفنا إن بعض القصص، مهما بدأت بغضب أو انتقام… ممكن تنتهي بأجمل بداية في العمر.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى