
3
ثـمن العيـش والمـلح ج 2 حكايات مني السيد
-
ربّاني والدي بمفرده حكايات حماده هيكلمنذ 15 ساعة
-
رجعت البيت بدريمنذ 15 ساعة
-
رجعت البيت بدريمنذ 15 ساعة
-
البيت ليس لي حكايات منى السيدمنذ 16 ساعة
## الفصل الثالث
فضلت واقفة في الصالة وباصة لأحمد وهو منهار تحت رجلي، منظره وهو مكسور وبيعيط بالدموع كان بيمحي من جوايا أي أثر للوجع اللي سابته إيده على وشي. حماتي كانت قاعدة على الكنبة بتلطم في صمت، وكأن القلم اللي ابنه مده عليا رد في صدرها هي، وكريم ومراته داليا انكمشوا في ركن الصالة زي الفران اللي اتحبست في مصيدة.
شلت الدوسيه الأسود من على الترابيزة بالراحة، وحطيته تحت باطي، وبصيت لأحمد اللي كان لسه باصص للأرض ومش قادر يرفع عينه في عيني:
ـ قوم اقف على رجلك يا بشمهندس.. العياط ده مش هيغير شيت إكسل واحد من اللي في إيدي، والندم مش بيمسح فواتير مضروبة بقالها سنتين بتدخل حسابك.
قام وقف وهو بيترعش، بيمسح دموعه بكم قميصه، وصوته طالع مخنوق:
ـ عايزة إيه يا مروة؟ قولي شروطك.. أنا مستعد أعمل أي حاجة، بس بلاش الإدارة القانونية في الشركة تعرف.. بلاش المستشار المالي يرفع التقرير لرئيس مجلس الإدارة.. أبوس إيدك، دي هتبقى جناية أموال شركات ومستقبلي هيضيع.
ضحكت وسندت ظهري على الحيطة، نفس الحيطة اللي راسي اتخبطت فيها من كام ساعة:
ـ شروطي؟ شروطي كتير يا أحمد، ومفيش شرط فيها يقبل التفاوض. أولاً، إنت وأهلك هتح لموا حاجتكم دلوقتي حالا.. وفي دقيقة واحدة مش عايزة أشوف وش حد فيكم في الشقة هنا. الدنيا بتمطر؟ بره بتولع؟ مش مشكلتي.. زي ما هان عليك تضربني وتطردني من كرامتي في بيتي، يهون عليا أشوفكم كلكم في الشارع دلوقتي.
كريم خطى خطوة لقدام، وبان على وشه الخوف وهو بيقول:
ـ يا مديرة.. يا ست مروة.. طيب استني للصبح، إحنا ملناش مواصلات دلوقتي للبلد، والحاج عبد الحميد تعبان وضغطه عالي، مش هيستحمل البهدلة في المطر والبرد ده.
بصيت لحمايا الحاج عبد الحميد.. الراجل كان قاعد منكسر، باصص للبيت بحسرة، ومكنش ينفع أقسى عليه هو بالذات، لإنه الراجل الوحيد اللي نطق بكلمة حق وسط العيلة دي.
ـ الحاج عبد الحميد على راسي.. يقعد في الأوضة الجوانية يرتاح لحد الصبح، ويسافر في هدوء مع أول ضوء.. إنما إنت ومراتك وأمك وأخوك.. الباب يفوت جمل.. حالا!
حماتي أمينة وقفت، وحاولت تسترجع جزء من جبروتها اللي اتهد، وقالت بصوت مجروح:
ـ بتطردينا يا مروة؟ بتطردي حماتك اللي في مقام أمك؟
ـ أمي؟
قربت منها وبصيت في عينها مباشرة:
ـ أمي مكنتش بتسيب جوزي يضربني ويسيل دمي وتقول له “تستاهل عشان ما تركبش فوق دماغنا”.. أمي مكنتش بتاكل من شقايا وتطالب بزيادة وهي شايفة ابنها عاطل بالوراثة وعايش على قفايا.. إنتي مش أمي يا حاجة أمينة، إنتي كنتي رئيسة عصابة جاية تنهب، ولحد هنا والفيلم خلص. يلا.. قسماً بالله لو ما لميتوا حاجتكم في خمس دقايق، لأكون مكلمة النجدة وعاملة لكم محضر اقتحام وتعدي، وبكره الصبح الدوسيه ده هيكون على مكتب رئيس مجلس الإدارة قبل ما يدخل مكتبه.
أحمد بصلهم بنظرة رجاء مكسورة، وهز راسه ليهم بمعنى “اسمعوا الكلام”.. وبدأوا يتحركوا زي الآلات.. داليا كانت بتلم شنطتها وهي بتبصلي برعب، وكريم واخد أمه من إيدها وهي بتتحلطم وتدعي عليا بصوت واطي.. وأحمد دخل الأوضة يلم هدومه في شنطة سفر سريعة.
في خلال عشر دقائق، كان باب الشقة اتقفل وراهم.. الصالة فضيت، ومبقاش فاضل غير حمايا العزيز نايم في الأوضة جوه بعد ما اديته دوا الضغط بتاعه، وأنا.. قاعدة في الصالة لوحدي.
مسكت الموبايل، وبعت رسالة للأستاذ فريد نصار: “المستندات بالكامل معايا يا متر.. فواتير صيانة وهمية واختلاس مالي من فرع الشركة.. عايزة بكره الصبح ترفع دعوى الخلع مش الطلاق.. أنا مش هستنى قضايا وتأجيل.. أنا هخلعه وأرمي له حاجته في الشارع.”
رد عليا في ثواني: “جاهز يا فندم.. بكره الساعة 10 الصبح هكون في انتظارك بالملف كامل.”
قعدت على الكرسي وبدأت أفكر.. أحمد مشكلته مش بس السجن، أحمد مشكلته إنه غبي.. والغبي لما بيقع، بيجر معاه كل اللي ساند عليهم. أنا مكنتش ناوية أسلمه للشرطة فوراً، السجن ده هيكون الكارت الأخير.. أنا عايزة أدبه الأول.. عايزة أخليه يشوف كل اللي بناه بفلوسي الحرام وبمرتبي وهو بيتهد طوبة طوبة قدام عينيه.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت والجو هدي.. حمايا صحي، جهزت له فطور خفيف وكوباية شاي.. قعد معايا وهو مكسوف يبص في وشي:
ـ أنا ماشي يا بنتي.. وبعتذر لك تاني وتالت عن اللي ابني عمله.. أحمد طول عمره طماع، وأمه هي اللي زودت الطمع ده في قلبه.. ربنا ينصفك يا مروة، وإنتي معاكي الحق في كل اللي بتعمليه.
ـ مع السلامة يا حاج.. وإنت مالكش ذنب، وهيفضل احترامك في قلبي زي ما هو.
نزل حمايا، وأنا لبست طقم فورمال أنيق، حطيت ميك اب خفيف عشان أداري أثر الزرقان البسيط اللي تحت شفتي، وأخدت الدوسيه الأسود ونزلت على مكتب المحامي في المهندسين.
الأستاذ فريد استقبلني بترحيب كبير، وقعدنا راجعنا الورق.. عينه لمعت وهو بيقرأ الأرقام:
ـ يا بشمهندسة مروة.. ده مش مجرد اختلاس.. ده تنظيم عصابي صغير.. أحمد مكنش بيعمل كده لوحده، أكيد في حد معاه في الحسابات أو المخازن بيسهل له الفواتير دي ويختمها.
ـ طبعاً يا متر.. وده اللي أنا هكتشفه بكره لما أنزل الشركة.. أنا مش هقدم البلاغ دلوقتي.. أنا هروح بكره الفرع بتاعه بصفتي مديرة الرقابة المالية الإقليمية.. هعمل لجنة تفتيش مفاجئة على فرع الصيانة.. وعايزة أحمد يشوفني وأنا داخلة من باب الشركة والكل بيضرب لي تعظيم سلام، وهو قاعد على مكتبه مستني مصيره.
الأستاذ فريد ابتسم وقال:
ـ إنتي مدرسة في التخطيط يا مروة.. كده إحنا هنرفع دعوى الخلع بكره، ونثبت حالة الاعتداء بالتقرير الطبي اللي معاكي.. وبالنسبة للعربية، التوكيل اتلغى رسمي من دقيقة واحدة، والجواب هيروح للمرور وللشركة عشان يتسحب منه حق القيادة لو العربية تابعة لأي جهة، بس بما إنها باسمك، فإحنا هنبعت له إنذار رسمي بتسليم العربية في خلال 24 ساعة وإلا هتبقى سرقة.
ـ تمام جداً يا متر.. سيب لي بقى موضوع الشغل ده، أنا هربيه بطريقتي.
يوم الأحد الصبح.. الساعة 9 بالدقيقة.
وصلت مقر شركة الأدوية والخدمات الطبية في القاهرة الجديدة.. نزلت من عربيتي بكامل أناقتي.. الموظفين في الاستقبال وقفوا باحترام: “أهلاً يا فندم.. خطوة عزيزة يا بشمهندسة مروة.”
ـ أهلاً بيكم.. اطلبوا لي مدير فرع الصيانة البشمهندس طارق، وقولوا له إني عازمة نفسي عنده في المكتب حالا ومعايا فريق التفتيش المالي بالكامل.
طلعت الدور الرابع.. وأنا ماشية في الممر، عيني جت على مكتب أحمد.. كان قاعد، وشه أصفر، وتحت عينه هالات سودا باين إنه مانامش بقاله يومين.. كان ماسك ورقة وقلم وبيحسب حسابات، غالباً بيشوف هيجيب منين تمن قسط كريم أو فواتير أمه.
أول ما شافني.. وقف من على الكرسي ومشي خطوتين ناحيتي وصوته بيرتعش:
ـ مروة.. إنتي جيتي؟ أرجوكي اسمعيني..
مشيت من جنبه وكأنه هوا.. مابصيتش له حتى.. دخلت مكتب البشمهندس طارق مدير الفرع اللي استقبلني بذهول وخوف، لإن نزول المديرة المالية بنفسها معناه إن في كارثة في الحسابات.
ـ أهلاً يا فندم.. خير يا بشمهندسة؟ في حاجة مش مظبوطة في ميزانية الفرع؟
قعدت على الكرسي الجلدي الكبير، وحطيت الدوسيه الأسود على مكتبه:
ـ أهلاً يا باشمهندس طارق.. في جرد مفاجئ على فواتير المشتريات وقطع الغيار الخاصة بقسم الصيانة عن السنتين اللي فاتوا.. وعايزة كل الدفاتر تطلع حالا.. وعايزة البشمهندس أحمد عبد الحميد يدخل هنا حالا ومعاه لابتوب الشغل بتاعه.
طارق وشه جاب ألوان، وضغط على زرار الإنتركم:
ـ ابعت لي البشمهندس أحمد فوراً للمكتب.
بعد دقيقتين، الباب اتفتح ودخل أحمد.. كان بيبص لي بنظرات كلها رجاء وتوسل، وكأنه بيقول لي بلاش تفضحيني قدام مديري..
قعدت بكل برود، وبصيت لطارق وقلت:
ـ باشمهندس طارق.. في فواتير خرجت من الفرع هنا لشركة اسمها “الأمل للتوريدات الطبية”.. إجمالي الفواتير دي 450 ألف جنيه في السنتين اللي فاتوا.. لما راجعنا السجل التجاري للشركة دي، اكتشفنا إنها شركة وهمية مفيش لها وجود على أرض الواقع.. ومين اللي ماضي على استلام قطع الغيار دي وفواتير الصرف؟ البشمهندس أحمد.
طارق اتصدم وبص لأحمد بغضب:
ـ إيه الكلام ده يا أحمد؟ الكلام ده صحيح؟ إنت بتتعامل مع شركات وهمية من ورايا؟
أحمد كان هيقع من طوله.. ليرقانه بان، وبدأ يتلعثم:
ـ يا فندم.. والله.. دي غلطة.. أنا كنت.. كنت فاكر إن الشركة مسجلة.. أنا مكنتش أعرف..
قاطعته بصوت حاد وقوي هز الأوضة:
ـ مكنتش تعرف إيه يا بشمهندس؟ مكنتش تعرف إن التوقيع التاني اللي على الفواتير هو توقيع محاسب الموقع اللي استقال من 6 شهور؟ وإنت كنت بتزور إمضاه بعد ما مشي عشان تكمل السحب النقدي؟
التفتّ لمدير الفرع وقلت له بثبات:
ـ باشمهندس طارق.. بحكم سلطتي الماليّة، أحمد عبد الحميد موقوف عن العمل من دقيقة واحدة.. وهيتم التحفظ على لابتوب الشغل بتاعه.. وهيتم تشكيل لجنة قانونية داخلية للتحقيق معاه بكره الساعة 10 الصبح في مقر الإدارة العامة.. لو ثبت الاختلاس بالتزوير، التقرير هيترفع للنيابة العامة مباشرة بتهمة الاستيلاء على أموال الشركة وتزوير محررات رسمية.
أحمد دموعه نزلت قدام مديره.. فقد كل ذرة كرامة كانت باقية له.. وبدأ يصرخ بصوت مكتوم:
ـ مروة.. حرام عليكي.. أنا جوزك! بتعملي فيا كده ليه؟ عشان فلوس؟
وقفت من على الكرسي، ولميت ورقي، وبصيت له بنظرة حاسمة وقاتلة:
ـ إنت خسرت حقك في كلمة “جوزك” من دقيقة ما إيدك اترفت عليا يا أحمد.. ومن النهارده، أنا مش مروة السيد مرأتك.. أنا المديرة المالية اللي هتحاسبك على كل مليم سرقته.. وعلى كل وجع سبته في قلبي وفي وشي.. وبالمناسبة.. قض..ية الخلع ارفعت من ساعة.. وجواب إلغاء توكيل العربية في طريقه للمرور والشركة دلوقتي.. يعني من بره الباب ده.. إنت هتمشي على رجليك.. ومفيش عندك بيت ترجع له.. ومستقبلك كله بقى في إيدي أنا.
سبته واقف في المكتب زي الصنم، وخرجت.. الممر كله كان واقف يتفرج.. الموظفين كلهم كانوا بيبصوا له بصدمة بعد ما كان عايش دور المهندس الكبير المحترم اللي مراته مديرة غنية ومظبطاه..
نزلت ركبت عربيتي.. وأنا بسوق، حسيت بنوع من الراحة النفسية عمري ما حسيته من خمس سنين.. بس جوايا كان بيقول لي إن الموضوع لسه مخلصش.. أحمد لما يلاق نفسه هيتسجن، وعيلته تلاقي إن الفلوس والمصلحة ضاعت، هيتحولوا لوحوش كاسرة.. وهيحاولوا يعملوا أي حاجة عشان يلووا دراعي..
وفعلاً.. مكنتش أعرف إن حماتي أمينة وكريم كانوا في اللحظة دي بيخططوا لمصيبة تانية خالص.. مصيبة تخليني أندم على اليوم اللي فكرت فيه أتحداهم.. مصيبة هتقلب الموازين كلها في الفصل الجاي..







