
وفي تلك اللحظة اهتزّ هاتفي.
رقمٌ غريب.
-
امي وهي في سكراتمنذ يومين
-
حشرة غريبةمنذ 6 أيام
-
وجدت تليفون زوجي حكايات صافي هانيمنذ 6 أيام
ترددتُ لثوانٍ وأنا أنظر إلى الشاشة، ثم ضغطتُ زر الإجابة ببطء.
جاءني صوت امرأة رسمية وهادئة
السلام عليكم، هل الآنسة مريم؟
نعم
أنا من مكتب محافظ بغداد. تم إرسال اسمكِ ضمن الطلبة الأوائل الذين سيُكرَّمون اليوم شخصيًا، وهناك لقاء صحفي مباشر مع القنوات بعد الحفل.
شعرتُ بأن أصابعي تبرد فجأة.
التفتَ الجميع نحوي دون وعي.
حتى تبارك رفعت رأسها بسرعة.
أكملت المرأة
وصلنا قبل قليل اعتذار باسمك عن الحضور، لكن المحافظ بنفسه رفض استبعادك لأنكِ صاحبة الدرجة الكاملة الوحيدة في دفعتك. يجب أن تكوني موجودة خلال ساعتين كحد أقصى.
صمتُّ.
أما أمي فاختفى اللون من وجهها بالكامل.
قالت المرأة بلطف
سيتم عرض قصتك كنموذج للطالبة المتفوّقة في بغداد. هل تؤكدين حضورك؟
نظرتُ إلى حقيبة السفر قرب الباب.
ثم إلى الفستان الأزرق الذي ترتديه تبارك.
ثم إلى سيف الذي بدأ يفهم شيئًا فشيئًا أن الأمر أكبر من مجرد حفلة مدرسة.
أخذتُ نفسًا طويلًا.
وقلت بهدوء
نعم سأحضر.
أغلقتُ الهاتف.
ساد صمت ثقيل داخل غرفة الجلوس.
أول من تكلم كان أبي.
أي محافظ؟
أجبته دون أن أنظر إليه
التكريم الرسمي للطلبة الأوائل.
رفعت أمي نظرها نحوي بتوتر واضح.
لكن ألم تلغي المقابلة؟
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة متعبة.
ألغيت مقابلة الصفحة فقط. أما المديرية فلم تلغِ شيئًا.
شعرتُ بعيني تبارك تتحركان نحوي بسرعة.
ولأول مرة منذ شهور
رأيت الذعر
الحقيقي داخل وجهها.
ليس الحزن.
ولا البراءة.
الخوف.
قال سيف بضيق
حسنًا، اذهبي واحضري التكريم وانتهى الأمر، لماذا تحملين حقيبة؟
رفعتُ حقيبة الظهر عن كتفي قليلًا.
لأنني لن أعود.
تجمّدت أمي.
مريم
لكنني قاطعتها بهدوء
وجدت سكنًا قرب الجامعة.
ضحكت تبارك فجأة ضحكة خافتة مرتبكة.
ابنة خالتي، لا داعي لكل هذا الموضوع لا يستحق.
التفتُّ نحوها ببطء.
أنتِ محقة.
ثم نظرتُ مباشرة إلى الفستان الذي ترتديه.
لا شيء عندكم يستحق أصلًا.
اتّسعت عينا أمي فورًا.
أما أبي فقال بحدة
تحدثي باحترام.
ضحكتُ هذه المرة فعلًا.
ضحكة قصيرة متعبة.
احترام؟
ثم رفعتُ عيني نحوه لأول مرة منذ أيام.
هل تريد فعلًا أن نتحدث عن الاحترام؟
ساد الصمت.
حتى سيف لم يتكلم.
قلتُ بصوت هادئ جدًا، لكنه خرج مرتجفًا رغمًا عني
أنا ابنتكم صح؟
لم يُجب أحد.
أكملت
لأنني بدأت أشعر منذ فترة أنني مجرد ضيفة ثقيلة داخل هذا البيت.
لا تبالغي. قالها أبي ببرود سريع.
لكنني هززت رأسي ببطء.
حين كنتُ أدرس حتى الفجر كانت تبارك تصور فيديوهات تيك توك وأنتم تضحكون معها.
نظرتُ نحو أمي.
وحين اختفت الملزمة صدقتم أنني أخفيتها دون حتى أن تسألوني.
همست أمي بسرعة
لأن الوضع وقتها كان متوترًا
وصفعتِني.
انخفضت عيناها فورًا.
أما أنا فأكملت
ثم أخذتم فستاني وألغيتُ مقابلتي وقررتم أن أبدو أقل جمالًا حتى لا تنزعج تبارك.
شهقت تبارك بخفوت.
أنا لم أطلب ذلك
التفتُّ نحوها مباشرة.
لكنّكِ أخذته.
سكتت.
ولأول مرة
لم تبكِ.
لم تمثل الانهيار.
فقط نظرت إليّ بصمت.
اقترب سيف مني بضيق.
يكفي دراما يا مريم. الموضوع لا يستحق ترك البيت.
رفعتُ عيني إليه.
تعرف ما الشيء المضحك يا سيف؟
قطّب حاجبيه.
أني كنتُ أصدق أنك تحبني فعلًا.
تحركت عضلات وجهه للحظة.
لكنه قال ببرود
وأنا كنتُ أظنكِ أفضل من ذلك.
ابتسمتُ بتعب.
ثم أخرجتُ هاتفي.
وفتحتُ صورة المحادثة.
ورميتُ الهاتف فوق الطاولة أمامهم.
تجمّد الجميع.
كانت صورة مجموعة الأربعة واضحة بالكامل.
رسالة سيف.
رسالة أمي.
رسالة أبي.
حتى التسجيل الصوتي.
ارتفع صوت أنفاس أمي فورًا.
أما أبي فحدّق في الشاشة بصدمة حقيقية.
قال سيف بعنف
أنتِ فتحتِ محادثاتي؟!
أجبته بهدوء
بالصدفة.
ثم ابتسمتُ بمرارة.
لكن يبدو أن الصدف عندي أفضل من العائلة.
قالت أمي بسرعة وهي تقترب مني
مريم اسمعيني
لكنني تراجعت خطوة للخلف.
لا يا أمي. لأول مرة أريد أن تسمعوني أنتم.
ساد الصمت.
ثم قلت الجملة التي بقيت عالقة داخلي سنوات كاملة
أنا تعبت.
خرج صوتي مكسورًا أكثر مما أردت.
تعبت من محاولة إقناعكم أنني جيدة.
بدأت دموعي تنزل أخيرًا.
تعبت من أن أكون الابنة التي يجب أن تفهم دائمًا وتسكت دائمًا وتتنازل دائمًا.
حتى أبي
خفض عينيه وقتها.
أما تبارك فكانت تنظر إليّ بطريقة غريبة.
ليست منتصرة.
بل مرتبكة.
كأنها لم تتوقع أن أصل فعلًا إلى هذه اللحظة.
أخذتُ حقيبة السفر.
ثم قلت بهدوء
سأذهب إلى الحفل وبعدها إلى السكن.
صرخت أمي أخيرًا
ولأجل ماذا؟! لأجل سوء تفاهم؟!
التفتُّ إليها ببطء.
حين يتحول البيت كله إلى سوء تفاهم يصبح الرحيل أريح.
ثم خرجتُ.
وخلفي
لم ينادني أحد.
في السيارة
كنتُ أرتجف بالكامل.
ليس خوفًا.
ولا حزنًا فقط.
بل لأنني للمرة الأولى في حياتي
فعلت شيئًا دون أن أطلب موافقة أحد.
وصلتُ إلى المدرسة قبل بدء الحفل بساعة تقريبًا.
وفور دخولي
ركضت الأستاذة هناء نحوي.
الحمد لله أنكِ أتيتِ!
ثم توقفت فجأة وهي تنظر إلى حقيبتي.
مريم هل أنتِ بخير؟
ابتسمتُ بصعوبة.
لا أعرف.
لكنها لم تسأل أكثر.
وقالت
اليوم يومكِ لا تسمحي لأحد بسرقته.
ولأول مرة منذ أيام
كدت أبكي بسبب كلمة لطيفة فقط.
بدأ الحفل.
الأضواء.
الكاميرات.
أصوات التصفيق.
أسماء الطلبة.
لكنني كنت أشعر وكأنني أتحرك داخل حلم بعيد.
حتى جاء اسمي.
الطالبة الأولى على المحافظة مريم.
وقف الجميع يصفق.
رأيتُ المديرة تمسح دموعها بفخر.
ورأيتُ بعض المدرسات يبتسمن نحوي.
ثم صعدتُ إلى المنصة.
والكاميرات كلها اتجهت نحوي.
قال المذيع بابتسامة واسعة
مريم، الجميع يريد معرفة سر تفوقكِ.
فتحتُ فمي.
لكن الكلمات اختنقت داخلي للحظة.
ثم قلت بهدوء
لا يوجد سر.
ابتسم المذيع.
أكيد هناك أحد دعمكِ كثيرًا.
ساد صمت قصير.
ورأيت الكاميرات أقرب نحوي.
ثم قلت أخيرًا
أحيانًا الإنسان ينجح لأنه لا يملك شيئًا آخر يفعله غير النجاة.
اختفى صوت القاعة للحظة.
حتى المذيع لم يعرف ماذا يقول.
لكن التصفيق انفجر
بعدها بقوة.
ولسبب غريب
شعرتُ وقتها أنني أتنفس لأول مرة.
بعد انتهاء الحفل
خرجتُ من المدرسة وأنا أحمل الشهادة والدرع.
وكان هاتفي ممتلئًا بالاتصالات.
أمي.
سيف.
أبي.
حتى تبارك.
لكنني لم أرد.
ثم ظهرت
متابعة القراءة








