
رأيت ورقةً قديمة معلّقة خلف الباب الحديدي الصدئ.
كانت تحمل صورة رحمة.
وأسفل الصورة مباشرة
عبارة كُتبت بحبرٍ أحمر داكن..
تمّ دفع ثمنها كاملًا
التسليم الجمعة بعد العشاء.
تجمّدتُ مكاني.
بقيتُ أحدّق في الورقة المعلّقة خلف الباب الحديديّ الصدئ، بينما كانت أنفاسي تخرج ببطءٍ ثقيل كأنّ الهواء صار أثقل من أن يدخل صدري.
الصورة نفسها.
وجه الطفلة نفسه.
الفستان الباهت نفسه.
لكنّ الكلمات المكتوبة بالحبر الأحمر
لم تكن إعلانًا عن طفلة مفقودة.
بل شيئًا أكثر ظلامًا.
شيئًا جعل معدتي تنقبـ,ـض بعـ,ـنف.
تمّ دفع ثمنها كاملًا.
ثمن.
كانت تتحدّث عنها كبضاعة.
لا كطفلة.
-
امي وهي في سكراتمنذ يومين
-
حصلتُ على الدرجة الكاملة في امتحان القبولمنذ 5 أيام
-
حشرة غريبةمنذ 6 أيام
-
وجدت تليفون زوجي حكايات صافي هانيمنذ 6 أيام
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت المفتاح داخل القفل.
هذه المرّة كان أوضح.
أقرب.
وأبطأ.
كأنّ مَن بالخارج لا يستعجل الدخول
لأنّه واثق أنّ ما بالداخل لا يستطيع الهرب.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف وأنا أحمل الطفلة بين ذراعيّ.
كانت أصابعها الصغيرة تتشبّث بقميصي بقوّة مؤلمة.
ثم همست قرب أذني بصوتٍ مرتجف
أرجوك لا تدعها تأخذني.
شعرتُ بشيء ينفجــ,ر داخل صدري.
غضب.
خوف.
وذنب قديم لم أفهمه.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
صدر ارتطامٌ قويّ بالباب.
ثم صوت امرأة تصرخ بعـ,نف
افتحي يا بنت الكلب أعرف أنّك مستيقظة!
ارتجفت الطفلة بالكامل.
د,فنت وجهها في صدري فورًا.
وشعرتُ بأنفاسها الساخنة المرتبكة تخـ,ـترق جلدي.
نظرتُ حولي بسرعة.
الشـ,ـقّة ضيّقة.
النوافذ محكمة بقضبان حديديّة قديمة.
ولا يوجد مخرج سوى نافذة صغيرة في المطبخ.
اندفعتُ نحوها بسرعة.
وخلفي
بدأ الباب يهتزّ بعـ,ـنف.
كانت
المرأة تدفعه بجنون.
افتحي قبل أن أخلع الباب فوق رأسك!
وصلتُ إلى المطبخ.
دفعتُ النافذة بقوّة.
صرخت المفاصل الصدئة بصوتٍ حادّ.
وفي الخارج
كان المطر قد بدأ يهطل بغزارة.
زقاق ضيّق غارق في الظلام.
رائحة صرفٍ قديم.
وقطط تبحث في أكوام القمامة.
لكنّه كان أفضل من البقاء هنا.
رفعتُ الطفلة أوّلًا عبر النافذة.
ثم قفزتُ خلفها بسرعة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت تحطّم الباب الرئيسيّ.
تجمّدت الطفلة بين ذراعيّ.
ودوّى صوت المرأة داخل الشـ,ـقّة
رحمة!
ثم صمتت لحظة.
وأردفت بصوتٍ أخفض وأكثر رعبًا
أعرف أنّ هناك أحدًا هنا.
حبستُ أنفاسي.
المطر كان يهطل فوق رؤوسنا بقوّة، يضــ,رب الأرض القديمة كطبول حرب.
أخذتُ الطفلة وبدأتُ أسير وسط الزقاق بسرعة.








