عام

سلفتي تنام كل ليلة

من ساعة ما أخويا الصغير “حسام” دخل بيتنا هو ومراته “لؤلؤة”، والهدوء اللي كنا متعودين عليه بقى فيه حاجة تقيله كده، كأن في عين بتراقبنا أو نفس غريب بيتحرك في الهوا من غير ما يتشاف. البيت كبير وقديم، مبني من أيام جدي، أبوابه خشب تقيل وسلالمه بتصرّ في كل خطوة، وده كان دايمًا بيخلي أي صوت فيه مرعب أكتر من حجمه بكتير.أول ليلة نامت فيها “لؤلؤة” بيني وبين جوزي “مصطفى”، افتكرت الموضوع هزار أو دلع عروسة جديدة. تاني ليلة قلت يمكن مش متعودة. تالت ليلة بدأت أتوتر. خامس ليلة بقيت بكره صوت خطواتها وهي جاية ناحيتنا، وسابع ليلة حسيت إن في حاجة غلط أكبر من مجرد خوف بنت صغيرة.

بس الغريب إن “لؤلؤة” طول اليوم كانت طبيعية جدًا… تضحك، تهزر، تشتغل بإيدينها الاتنين، تنظف البيت كأنه قصر، وتطبخ أكل يخلّي الواحد ينسى اسمه. لكن أول ما الليل يدخل… تتغير. وشها يشحب، عينيها تفضل سرحانة، وكأنها مستنية حاجة محددة تحصل.

مقالات ذات صلة

وفي الليلة الـ17… كل حاجة اتكشفت.

بعد ما لؤلؤة سدت خيط النور براسها، حسيت بإيدها بتشد على إيدي أكتر… وكأنها بتقول “اسكتي… مش وقته”. قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة الصوت ممكن يسمع برا الأوضة. وفجأة… الخيط اختفى.

لكن بعدها بثواني… سمعنا صوت المفتاح بيتحرك في الباب…

ببطء شديد… كأن اللي برا خايف يتكشف.
مصطفى صحي مفزوع: “في إيه؟”

قبل ما أرد… لؤلؤة همست بسرعة: “متتكلمش!”

صوت الباب وقف فجأة… كأن اللي برا سمعنا.

وبعدين… خطوات خفيفة بدأت تبعد.

الدنيا رجعت هدوء… بس الهدوء ده كان أسوأ من الصوت.

قمت جريت نورت النور، وفتحت الباب بسرعة… الممر كان فاضي… بس على الأرض… كان فيه حاجة غريبة.

“كشاف صغير” واقع… ولسه نوره شغال.

مصطفى بصلي وقال: “مين ممكن يعمل كده؟”

بس لؤلؤة… كانت واقفة ورايا، وشها أبيض زي الورق، وقالت جملة خلت رجلي تهز:

“هو دخل البيت خلاص…”

في اللحظة دي… حسام أخويا طلع من أوضته مفزوع: “في إيه؟”

بصتله لؤلؤة… نظرة مليانة خوف وغضب في نفس الوقت… وقالت:
“قولهم يا حسام… ولا أقول أنا؟”

حسام سكت… ووشه اتغير… وده كان أول مرة أشوفه بالشكل ده.

صرخت فيه: “في إيه؟ حد يفهمني!”

قعد حسام على الأرض كأنه انهار، وقال بصوت مكسور:
“أنا… أنا كنت مديون لواحد…”

اتجمدت في مكاني.

“واحد خطر… ومش بيسيب حقه… وأنا هربت منه واتجوزت بسرعة ونقلت هنا عشان محدش يعرف مكاني…”

بصيت للؤلؤة: “وإنتي كنتي عارفة؟”

هزت راسها: “أيوه… من أول يوم.”

“طب وإيه حكاية النوم بينا؟!”

خدت نفس طويل وقالت:
“الراجل ده… بيدخل البيوت بالليل… وبيستخدم

كشاف صغير… يدور على اللي عايزه من غير ما يصحي حد… وأنا شفته قبل كده في بيت أهلي…”
جسمي كله ساق.

“كنت بنام في النص… عشان لو فتح الباب… يبقى في حد قدامه… مش يوصل لكم بسهولة…”

مصطفى قال بصدمة: “يعني إنتي كنتي بتحمينا؟”

قالت وهي دموعها نازلة:
“أنا كنت مستنية الليلة دي… لأنه أكيد هييجي.”

وفجأة… سمعنا صوت من تحت…

باب الشقة بيتفتح.

كلنا بصينا لبعض.

حسام همس: “ده هو…”

الخطوات بدأت تطلع السلم… ببطء… نفس الصوت اللي كان بيجي كل ليلة.

“تك… تك… تك…”

لؤلؤة شدّت إيدي وقالت: “المرة دي… مش هنستخبى.”

مصطفى مسك عصاية خشب من جنب الباب، وأنا كنت مش قادرة أتحرك من الرعب.

الخطوات قربت… وقفت قدام باب الشقة.

المقبض اتحرك…

بس قبل ما الباب يتفتح… حسام فجأة صرخ: “افتح! أنا هنا!”

أنا ومصطفى بصينا له مصدومين.

الباب اتفتح ببطء… وظهر راجل طويل، وشه مستخبي في الضلمة، بإيده نفس الكشاف.

بص لحسام وابتسم ابتسامة باردة:
“وأخيرًا لقيتك…”

لؤلؤة وقفت قدامنا وقالت بصوت ثابت لأول مرة:
“مش لوحده.”

الراجل ضحك: “كلكم سوا؟ أسهل.”

بس فجأة… صوت صفارة شرطة قطع الكلام.

العربية وقفت تحت البيت.

الراجل اتوتر وبص حواليه… في اللحظة دي، مصطفى ضربه بالعصاية على إيده، والكشاف وقع.

حسام

هجم عليه، وأنا صرخت بأعلى صوتي.
الشرطة طلعت بسرعة… والراجل اتحاصر واتقبض عليه.

بعدها عرفنا الحقيقة كاملة… إنه كان بيراقب حسام من فترة، وعرف مكانه، وكان بيستنى اللحظة المناسبة يدخل من غير ما حد يحس.

ولؤلؤة… كانت عارفة كل ده… وساكتة… وبتضحي براحتها كل ليلة… عشان تحمينا.

بعد اللي حصل… بقت جزء من قلبي مش بس سلفتي.

وفي ليلة هادية بعد كل ده… لما قلت لها:
“طب ما تنامي في أوضتك بقى؟”

ابتسمت وقالت:
“لا… خلاص… مبقتش خايفة.”

بس قبل ما تمشي… بصت للباب وقالت جملة غريبة خلتني أرجع أقلق تاني:

“بس خلي بالك… مش كل اللي بيخبط بالليل بيكون إنسان…”

بعد الجملة اللي قالتها “لؤلؤة”، سكتت الدنيا لحظة… بس جوايا أنا، كل حاجة بدأت تزعق. حاولت أضحك وأعدّي الموضوع، وأقنع نفسي إنها بتهزر أو لسه متأثرة باللي حصل، بس النظرة اللي كانت في عينيها مكنتش هزار… كانت نظرة واحدة شافت حاجة أكبر من اللي اتحكى.

الأيام اللي بعدها عدّت أهدى شوية… أو على الأقل ده اللي كنا بنحاول نصدقه. حسام بقى بيخرج يخلص موضوع ديونه، والشرطة كانت بتعدّي تسأل كل شوية، ومصطفى رجع لطبيعته… يضحك ويهزر كأن اللي حصل ده فيلم واتقفل.

بس “لؤلؤة”… لا.

رجعت تنام في أوضتها فعلاً… أول ليلتين. وأنا كنت فرحانة

إن أخيرًا رجعنا لطبيعتنا أنا وجوزي. بس في الليلة التالتة… صحيت على نفس الصوت.
“تك…”

فتحت عيني ببطء… قلبي بدأ يدق بنفس الإحساس القديم.

بصيت جنبّي… لقيت مصطفى نايم.

بس اللي خلاني جسمي كله يتلج… إن فيه حد واقف عند باب الأوضة من جوه.

واقف… وساكت.

الضلمة كانت تقيلة، بس كنت شايفة outline جسم… حد واقف وبيبص علينا.

همست: “مين؟”

مفيش رد.

مديت إيدي أشغّل النور… النور اشتغل…

مفيش حد.

قمت مفزوعة وفتحت الباب… الممر فاضي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى