روايات وقصص

جاكت امي الرمادي

أمي لبست نفس الجاكت المقطع تلاتين شتاء وبعد جنازتها فتحت جيوبه ووقعت على ركبي.أنا عندي ٣٦ سنة. أمي ربتني لوحدها. وزي ما أنا فاكر كانت دايما لابسة نفس الجاكت.

صوف رمادي غامق. الكوعين مهلوكين. الأكمام مكورة من كتر الاستخدام. وزرين مش شبه بعض عشان كانت بتغيرهم بإيديها على مر السنين.

مقالات ذات صلة

كنت بكره الجاكيت ده.

أي حد كان يشوفه يعرف إننا على قد حالنا.

وأنا عندي ١٤ سنة كنت أرجاها تنزلني قبل المدرسة بشارع عشان صحابي ما يشوفوش الرقع. كانت تبتسم ابتسامتها المرهقة وتقول

المهم بيدفي يا حبيبي والباقي مش مهم.

ووعدت نفسي إني يوم ما أقدر أجيبلها حاجة أحسن.

وفعلا عملت كده.

أول ما اشتغلت مهندس معماري جبتلها جاكت كشمير شيك وغالي.

شكرتني وعلقته في الدولاب بعناية.

وتاني يوم لبست الجاكت القديم تاني وهي رايحة الشغل.

اتخانقنا بسبب الموضوع.

قلت لها إنها بتحرج نفسها. وإننا بقينا مش العيلة الفقيرة دي خلاص.

لما وصلت الستين ماتت فجأة. الدكتور قال لو كانت بتكشف بانتظام كان ممكن نلحقها.

وعمري ما هسامح نفسي إني ما ضغطتش عليها أكتر.

بعد الجنازة رحت شقتها الصغيرة ألم حاجتها. لما شفت الجاكت لسه معلق ورا الباب حاجة جوايا اتكسرت.

إحنا

كنا نقدر نجيب أحسن.

ليه كانت مصممة على الجاكت ده

شديته من مكانه وأنا ناوي أرميه.

بس حسيته تقيل.

أثقل من المفروض.

مررت إيدي جوه البطانة وحسيت بجيوب كانت خياطاها بإيديها من سنين ومليانة.

دخلت إيدي.

مش مناديل ولا حلويات.

تلاتين ظرف مربوطين بأستيك قديم.

مرقمين من ١ ل ٣٠.

من غير طوابع. ولا عناوين.

إيدي بدأت تترعش.

فتحت الظرف اللي عليه رقم ١.

أول سطر خلى نظري يزوغ

لما تعرف أخيرا ليه كنت متمسكة بالمعطف ده هكون أنا خلاص مش موجودة.

اقرأ كل جواب قبل ما تحكم علي واعملي طلب أخير واحد بس.

جلست على الأرضية الخشبية الباردة في غرفة نومها والجاكت الثقيل ملقى على حجري كجثة هامدة. رائحتها كانت لا تزال عالقة فيه.. مزيج من صابون الغسيل الرخيص ورائحة العرق الخفيفة الناتجة عن العمل الشاق وشيء آخر.. شيء يشبه رائحة الصبر.

الأظرف الثلاثون كانت أمامي كقنبلة موقوتة. الرسالة الأولى كانت مجرد المقدمة مجرد تحذير من العاصفة التي ستجتاحني.

أخذت نفسا عميقا شعرت به يرتجف في صدري ومددت يدي للظرف رقم ٢.

كان الورق قديما مصفرا عند الأطراف. التاريخ المكتوب في الأعلى يعود لثلاثين سنة مضت. كنت وقتها في السادسة من عمري.

حبيبي الصغير.

. اليوم كان أول يوم لك في المدرسة الابتدائية. كنت تبكي لأن حذاءك كان يضغط على أصابع قدمك. قلت لي إن الأولاد ضحكوا عليك لأن الحذاء كان بناتي.. كان حذاء ابن جارتنا القديم. بكيت أنت وبكيت أنا في الحمام حتى لا تراني. في هذا الظرف ستجد إيصالا. لقد بعت خاتم زواجي اليوم. لم يكن يساوي الكثير لكنه كان كافيا لشراء حذاء رياضي جديد لك وحقيبة زرقاء كنت تحلم بها. هذا الجاكت.. هذا الجاكت هو السبب في أنني استطعت توفير ثمن المواصلات لأذهب لبيع الخاتم. إنه يدفئني وهذا يكفي.

تحسست جيب الجاكت. تذكرت ذلك اليوم. تذكرت الفرحة العارمة بالحذاء الجديد وكيف جريت به في الصالة. لم ألاحظ أبدا اختفاء الخاتم من إصبعها. كنت طفلا غبيا وسعيدا.

فتحت الظرف رقم ٥. كنت في العاشرة.

اليوم عيد ميلادك العاشر. طلبت مني دراجة. أعرف أن كل أصدقائك لديهم دراجات. نظرت في عينيك وقلت لك إن شاء الله قريبا. كنت أعلم أنها كذبة. أنا آسفة يا بني. النقود التي ادخرتها للدراجة اضطررت لدفعها فاتورة كهرباء متأخرة حتى لا نقطع المذاكرة على ضوء الشموع. لقد قمت بخياطة الزر السفلي في الجاكت اليوم بخيط مختلف اللون لأنني لم أملك ثمن بكرة خيط جديدة. كل غرزة

في هذا الجاكت هي تذكير لي بأن هناك أولويات. أنت أولويتي.

بدأت الدموع تنهمر بصمت. تذكرت خيبة الأمل وتذكرت كيف اتهمتها بأنها لا تهتم بي. يا إلهي كم كنت قاسيا! مررت أصابعي على الزر المختلف. لم يكن علامة على الإهمال كان وسام شرف لمعركة خاضتها وحدها.

مر الوقت بطيئا وثقيلا. كل ظرف كان يفتح جرحا قديما ويعيد تشكيل ذاكرتي.

الظرف رقم ١٣. كنت في الثامنة عشرة. سنة دخولي الجامعة.

لقد قبلت في كلية الهندسة! أنا فخورة جدا لدرجة أن قلبي يكاد يتوقف. لكنني رأيت القلق في عينيك. المصاريف الكتب الأدوات الهندسية باهظة الثمن. أنت لا تعرف هذا لكنني بدأت عملا إضافيا في تنظيف السلالم ليلا بعد انتهاء عملي في المصنع. هذا الجاكت هو رفيقي في تلك الليالي الباردة. إنه درعي. كلما شعرت بالتعب أضمه علي وأتذكر أنك ستصبح مهندسا. أنك لن تضطر أبدا لارتداء جاكت مرقع.

تذكرت تلك الليالي. كنت أعود متأخرا من المذاكرة مع أصدقائي فأجدها نائمة على الكرسي بملابس الخروج والجاكت يغطيها. كنت أظنها كسولة لم أكن أعلم أنها كانت منهكة من مسح قاذورات الآخرين لتبني مستقبلي.

وصلت إلى الظرف رقم ٢٥. كان التاريخ قبل خمس سنوات. اليوم الذي تشاجرنا فيه.

اليوم.

. جرحتني يا بني. أعلم أنك لم تقصد. أحضرت

متابعة القراءة

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى