منوعات

سر اخر حكايات اسما

لم يعد الصمت صمتا بل صار ثقلا يضغط على صدري بأسئلة لا تنتهي

جلس شقيقه في المقعد المقابل لي صامتا وكأنه ينتظر الحكم

أما الدكتورة دينا فكانت تراجع الأجهزة بعينين حذرتين كأنها تخشى أن ينهار كل شيء في لحظة

سألت أخيرا بصوت مبحوح

كم من الوقت كان واعيا

تبادلا نظرة صامتة قبل أن تجيب الدكتورة

منذ عام تقريبا

عام كامل

عام وأنا أبكي أمامه وأتحدث إليه وأخبره عن وحدتي وعن خوفي وعن كل تفصيلة في حياتي وهو يسمعني ولا يستطيع الرد

لم أشعر بالغضب بقدر ما شعرت بانكسا، ر غريب

انكسار يشبه اكتشاف أن حياتك كانت مسرحية طويلة وأنك الممثل الوحيد الذي لم يعرف النص

بدأ شقيقه يروي الحقيقة كاملة

بعد الحاــ,,ـــــدث بأسابيع قليلة اكتشف كريم أن شركاءه في العمل تورطوا في شبكة غسيل أموال ضخمة

عندما حاول الانسحاب هددوه بال.

وقبل أن يتمكن من إبلاغ الشرطة وقع الحاــ,,ـــــدث

لم يكن حاــ,,ـــــدثا عاديا

كان محاولة اغـــــ،،ـــتيال فاشلة

أصيب إصابة بالغة دخل بعدها في غيبوبة حقيقية لسنوات

لكن عندما بدأت حالته تتحسن سرا خاف الأطباء من تسر،، يب الخبر

فلو علم شركاؤه أنه استيقظ فلن يترددوا في إنهاء ما بدأوه

هكذا بدأت الخطة

تم إخفاء تحسنه عن الجميع

حتى عني أنا

قالت الدكتورة بصوت خافت

كنا نحاول حمايتك أيضا

ضحكت بمرارة

الحماية التي تحوّل زوجي إلى غريب في بيتي

مرّت الأيام التالية ببطء شديد

بدأ كريم يستعيد وعيه تدريجيا

كلماته كانت متقطعة وحركته ضعيفة لكن عينيه كانتا تمتلئان بالحياة شيئا فشيئا

في كل مرة كان ينظر إلي كنت أشعر بمزيج من الحب والغضب والحنين والخوف

مشاعر متشابكة لا أعرف كيف أفككها

في إحدى الليالي طلب أن نبقى وحدنا

خرج الجميع وتركونا في الغرفة الصامتة

قال بصوت متعب

كنت أسمعك كل ليلة

انفجرت بالبكاء

لم أستطع التوقف

سنوات من الألم خرجت دفعة واحدة

قال إنه كان يحاول الحركة منذ شهور لكنه كان محاصرا داخل جسده

قال إنه كان يخاف أن أفقد الأمل أو أن أُصاب بالأذى إن عرفت الحقيقة

سألته بصوت مرتجف

هل كنت ستخبرني يوما

أغمض عينيه لحظة طويلة قبل أن يجيب

كنت أخاف أن أفقدك

لم أجد ما أقول

لأن الحقيقة المؤلمة كانت واضحة

لقد فقدت نفسي بالفعل خلال تلك السنوات

بدأت التحقيقات الرسمية بعد أسابيع

قُبض على شركائه وتفككت الشبكة التي كادت ت.ه

أصبح منزلنا فجأة محاطا بالحراسة والزيارات والأسئلة

لكن كل ذلك لم يكن الأصعب

الأصعب كان أن نتعلم كيف نعيش معا من جديد

كنا مثل غريبين يحاولان التعرف إلى بعضهما مرة أخرى

نتعلم كيف نتحدث دون خوف

كيف نصمت دون أن نخاف من الصمت

وفي ليلة هادئة جلسنا في الشرفة لأول مرة منذ سنوات

نظر إلي طويلا وقال

هل ما زلت تحبينني

نظرت إلى السماء قبل أن أجيبه

الحب لم يختف

لكنه تغيّر

نضج وجرح وتعب لكنه لم يمت

ابتسم لأول مرة منذ سنوات

ابتسامة ضعيفة لكنها حقيقية

في تلك اللحظة أدركت أن النهاية التي كنت أظنها نهاية حياتي لم تكن سوى بداية جديدة

بداية أصعب وأكثر صدقا من أي بداية عرفتها من قبل.

مرت الشهور التالية وكأنها زمن جديد لا يشبه أي شيء عشناه من قبل

البيت الذي كان يشبه غرفة عناية مركزة صار يمتلئ بصوت الحركة والكلام

لكن الغريب أن الضجيج لم يبدد الفراغ الذي تراكم داخل قلبي طوال السنوات الماضية

تعافى كريم ببطء شديد

كل خطوة كان يخطوها كانت معجزة صغيرة

وكل مرة يمسك يدي فيها كنت أشعر بفرح يشبه الدموع

لكن مع كل تحسن كان سؤال خفي يكبر داخلي

كيف نعيش بعد كل ما حدث

كيف نعود زوجين بعد أن كنا ممرضة ومريضا وظلا وصمتا

أصبحنا نحاول إعادة ترتيب حياتنا كما يعيد شخص ترتيب بيت احتر، ق نصفه

نحتفظ بما نجا ونحاول ترميم ما تهدم

عاد كريم إلى متابعة قضيته مع الشرطة

كانت التحقيقات طويلة ومتعبة

استدعاءات ومحاضر وشهادات

وأسماء كنت أسمعها للمرة الأولى رغم أنها كانت جزءا من حياته

في أحد الأيام عاد إلى المنزل متعبا على غير عادته

جلس على الأريكة صامتا وقتا طويلا قبل أن يقول

هناك شيء لم أخبرك به بعد

تجمدت في مكاني

تعلمت خلال الأشهر الماضية أن الجملة التي تبدأ بهذه الكلمات تحمل عاصفة بعدها

قال إن شركاءه لم يكونوا يعملون وحدهم

كانت هناك أسماء أكبر وأقوى لم تصل إليهم التحقيقات بعد

وأحدهم ما زال حرا

شعرت بأن الهواء يختفي من حولي

كأن السنوات الست الماضية عادت فجأة لتجلس معنا في الغرفة

سألته بصوت خافت

هل نحن في خطر

نظر إلي طويلا قبل أن يجيب

ربما

لم أنم تلك الليلة

كل صوت في البيت صار يوقظ قلبي

وكل ظل خلف النافذة صار احتمال خطر

في صباح اليوم التالي استيقظت على صوت جرس الباب

فتحت الباب فوجدت باقة زهور ضخمة موضوعة على الأرض

لا بطاقة ولا اسم

حملتها بيدين مرتجفتين إلى الداخل

وحين وضعتها على الطاولة سقطت بطاقة صغيرة مخبأة بين الزهور

كانت جملة واحدة فقط

الحمد لله على السلامة

نظرت إلى كريم وقرأت الخوف في عينيه قبل أن ينطق بكلمة

بدأت الأيام التالية بقلق دائم

شعور بأن أحدا يراقبنا من بعيد

أن الماضي الذي ظننا أننا هربنا منه لم ينته بعد

وفي إحدى الليالي بينما كنا نشاهد التلفاز انقطعت الكهرباء فجأة

غرق البيت في ظلام كامل

سمعنا صوتا خافتا في الطابق العلوي

تبادلنا نظرة صامتة

تلك النظرة التي تقول كل شيء دون كلمات

صعد كريم الدرج ببطء رغم ضعفه

تبعته وأنا أكتم أنفاسي

كان باب غرفة النوم مفتوحا قليلا

يدفعه الهواء بحركة خفيفة كأنه يدعونا للدخول

دخلنا الغرفة معا

كانت النافذة مفتوحة والستائر تتحرك ببطء

وعلى السرير كانت هناك قطعة ملابس داخلية رجالية بلون خمري

تماما مثل تلك التي بدأت بها القصة

نظر إلي كريم بصدم، ة حقيقية هذه المرة

وقال بصوت مرتجف

هذه ليست لي

في تلك اللحظة فهمت أن القصة التي ظننا أنها انتهت لم تبدأ بعد.

تجمد الدم في عروقي وأنا أحدق في القطعة الموضوعة فوق السرير

كان المشهد يعيدني إلى البداية وكأن الزمن دار دورة كاملة وعاد إلى النقطة نفسها

لكن هذه المرة لم يكن في الأمر شك أو تفسير بريء

هذه المرة كان كريم يقف بجانبي ويرى ما أرى

اقترب ببطء ومد يده ليلتقطها ثم توقف قبل أن يلمسها كأنها شيء سام

قال بصوت منخفض

أحدهم دخل البيت

لم أجب

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى