روايات وقصص

لقيت كنة ابني

إن الصوت اللي في التليفون، أنا عرفته.

كنت سامعه قبل كده عشرات المرات…

مقالات ذات صلة

لكن عمري ما تخيلت إنه هيكون طرف في اللي بيحصل.

بصيت للمحامي، وهو بصلي بنفس الصدمة.

واضح إننا الاتنين عرفنا صاحب الصوت في نفس اللحظة…

لكن محدش فينا نطق باسمه اتسعت عيون سلوى وهي تصرخ

كداب! أنا عمري ما شوفته!

لكن الراجل ما بصّش لها.

كان واقف مطأطئ راسه، وكأنه مستسلم.

الضابط قال بهدوء

قبل ما نجيبه هنا، حاول يهرب من السور الخلفي. ولما قبضنا عليه، كان معاه مجموعة مفاتيح… من ضمنها نسخة من مفتاح المخزن.

بصيت له وسألته

اسمك إيه؟

رفع راسه وقال بصوت خافت

اسمي سامر.

بتشتغل عند مين؟

سكت.

الضابط كرر السؤال بنبرة حادة

جاوب.

تنهد سامر وقال

كنت بشتغل مع العيلة… لكن آخر سنة كنت باخد أوامري من الهانم سلوى.

سلوى ضربت الترابيزة بإيدها.

كذب! بيحاول ينقذ نفسه!

لكن سامر طلع من جيبه ظرفًا صغيرًا.

وقال

كنت محتفظ بده… عشان لو في يوم حد حاول يلبسني حاجة.

فتح الضابط الظرف.

كان جواه إيصالات استلام مبالغ مالية.

وفي آخر كل إيصال…

توقيع واحد.

س. م.

المحامي أخد الإيصالات وقلبها واحدة واحدة.

ثم قال

التوقيع ده مطابق لتوقيع سلوى على أوراق الشركة.

سلوى بدأت تتراجع للخلف.

لكنها اصطدمت بالحائط.

ولأول مرة من بداية اليوم…

بدا عليها الذعر الحقيقي.

وفجأة…

ندى قالت بصوت هادئ

استنوا.

كلنا بصينا لها.

كانت مركزة في الدفتر الأسود.

وقلبت صفحة بسرعة.

ثم قالت

محمود بيه… بص هنا.

قربت منها.

في آخر الصفحة كان كريم كاتب بخطه

لو حد وصل للدفتر، يبقى هيدور على الصفحة الأخيرة قبل أي حاجة… لكن الحقيقة مش هناك.

ندى قلبت الدفتر من الخلف.

ثم ضغطت بإصبعها على الغلاف الجلدي.

خرج منه درج سري صغير…

ماكانش حد ملاحظه.

حتى المحامي اتفاجئ.

سحبت منه مفتاحًا آخر…

أصغر من الأول.

ومعاه قصاصة ورق.

فتحتها.

كان مكتوب فيها

الخزنة الحقيقية ليست في المخزن… بل في المكان الذي كنت أجلس فيه مع آدم كل مساء.

كلنا سكتنا.

أنا الوحيد اللي افتكرت.

المقعد الخشبي القديم…

اللي في آخر الجنينة.

المكان اللي كان كريم يقعد فيه كل يوم مع ابنه، يحكيله حكايات قبل النوم.

بصيت لمدير الأمن.

وقلت بسرعة

على الجنينة… حالًا!

خرجنا جميعًا نجري.

لكن أول ما وصلنا للمقعد…

اتجمدت في مكاني.

لأن التراب حوالين المقعد…

كان متقلب ولسه طازة.

وكأن حد كان بيحفر هناك من ساعات قليلة فقط ساد صمت ثقيل.

الضابط قفل صوت المكالمة،

متابعة القراءة

3

لقيت كنة ابني

وبصلي وقال

تعرف مين؟

هزيت راسي بهدوء.

أيوه… لكن مش هقول اسم قبل ما أتأكد.

المحامي قال

والأفضل نستدرجه.

أشار الضابط لسامر.

هتعمل اللي هنقولك عليه… ولا هتتحاسب على كل اللي شاركت فيه.

سامر بلع ريقه وهز راسه بالموافقة.

فتح الخط تاني.

وقال بصوت متوتر

أيوه… لقيته.

جاله الرد بسرعة

ممتاز… متفتحوش. خده وروح للمكان المتفق عليه، وأنا هكون هناك خلال نص ساعة.

وقفل الخط.

بصيت للضابط.

قلت

محدش يتحرك من الفيلا… إلا إحنا.

لكن قبل ما نخرج…

ندى نادت عليّ.

كانت ماسكة الملف الأزرق.

وقالت

استنى… فيه حاجة غريبة.

فتحت آخر صفحة.

كان فيه جيب ورقي صغير ملزوق.

طلعت منه مفتاح إلكتروني صغير.

ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط كريم

لو وصلت للمرحلة دي… افتح الدرج اليمين في مكتبي بالمفتاح ده. فيه آخر دليل.

رجعنا بسرعة لمكتب كريم.

أدخلت المفتاح الإلكتروني في فتحة صغيرة تحت سطح المكتب، مكان عمري ما انتبهت له.

سمعنا صوت خفيف…

تك.

خرج درج مخفي ببطء.

جواه جهاز تسجيل رقمي.

وشاحن.

وورقة واحدة.

المحامي وصل الجهاز بالشاحن.

بعد ثواني اشتغل.

ظهرت ملفات صوتية كتير.

كل ملف عليه تاريخ.

آخر ملف…

كان قبل وفاة كريم بيومين فقط.

شغّلناه.

طلع صوت كريم واضح جدًا

لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقول كل حاجة بنفسي. أنا بدأت أراجع ملفات العيلة، واكتشفت إن فيه حد بيستغل اسمها في حاجات من ورا الكل. عشان كده خبّيت كل المستندات في أماكن مختلفة… ولو حاول حد يقرب من ندى أو آدم، يبقى اعرفوا إن الهدف الحقيقي عمره ما كان البيت…

كل الموجودين سكتوا.

حتى سلوى.

وكمل التسجيل

…الهدف الحقيقي هو الملف الأسود الموجود…

وفجأة…

انقطع الصوت.

الجهاز عمل تشويش.

ثم انطفأ.

المحامي حاول يشغله تاني.

لكن الشاشة ظهرت عليها رسالة واحدة

الملف الأخير تالف.

نظرنا لبعض في دهشة.

وفي نفس اللحظة…

دخل أحد الحراس يجري وهو يلهث.

وقال

يا أستاذ محمود… عربية وقفت قدام البوابة.

سألته

مين فيها؟

رد وهو ما زال يلهث

الراجل اللي كلم سامر… جاي بنفسه.

وتجمدت سلوى في مكانها…

لأنها أول ما شافت العربية من الشباك، همست بخوف

هو… إزاي عرف يوصل هنا؟وقفت قدام الشباك، وأنا ببص للعربية السودا وهي بتدخل ببطء من البوابة.

نزل منها راجل في أواخر الأربعينات.

بدلة رمادي.

وشه هادي بشكل مستفز.

وأول ما شافني… رفع إيده يسلم، كأنه جاي في زيارة عادية.

أما سلوى…

فكانت بتتنفس بسرعة.

قالت بصوت مرتعش

ماكانش المفروض ييجي هنا.

بصيت لها.

تعرفيه؟

ما ردتش.

لكن سكوتها كان كفاية.

دخل الراجل الصالون، وبص حوالين المكان.

ولما شاف الملف الأزرق على الترابيزة، ابتسم ابتسامة خفيفة.

وقال

واضح إنكم وصلتوا لحاجات كان الأفضل تفضل مدفونة.

الضابط وقف قدامه مباشرة.

حضرتك مين؟

طلع بطاقة من جيبه وسلمها للضابط.

بص فيها ثواني، ثم رفع عينيه باستغراب.

الراجل قال بهدوء

أنا المستشار القانوني

السابق لصندوق العيلة.

بصيت له بدهشة.

أنا أعرف كل اللي اشتغلوا مع العيلة.

لكن عمري ما شفته.

قلت

أول مرة أشوفك.

ابتسم وقال

لأن كريم هو اللي طلب إني أشتغل بعيد عن أي حد.

ندى قربت خطوة.

يعني حضرتك كنت تعرف كريم؟

هز رأسه.

وآخر مرة شفته كانت قبل وفاته بثلاثة أيام.

ساد الصمت.

ثم مد يده داخل حقيبته الجلدية.

رجال الأمن اتحركوا فورًا.

لكنه قال بهدوء

متقلقوش… ده اللي كريم سلمني أمانة.

طلع ظرفًا بنيًا سميكًا.

وعليه ختم أحمر.

ونفس الجملة اللي شوفناها قبل كده.

لا يُفتح إلا إذا تعرضت ندى أو آدم للظلم.

سلوى شهقت.

وقالت بعصبية

مستحيل… كان لسه فيه ظرف تاني؟

الرجل بص لها لأول مرة.

وقال

أيوه… وكان كريم واضح جدًا.

لو أختي سلوى حاولت تتدخل في حياة مراتي أو ابني… سلّم الظرف لأبويا بنفسك.

سلوى اتراجعت خطوتين.

كأنها اتصفعت.

أخدت الظرف بإيدي.

وفتحت الختم.

كان جواه خطاب قصير.

ومعاه مفتاح سيارة.

لكن…

المفتاح ماكانش لأي عربية موجودة عندنا.

ضغطت على الزر من غير قصد.

وفجأة…

سمعنا صوت بوق عربية خارج الفيلا.

كلنا جَرينا ناحية الشباك.

في آخر الجراج…

تحت غطا سميك مليان تراب…

أنوار عربية اشتغلت لوحدها.

عم حسن وسّع عينيه وقال

دي عربية كريم!

أنا اتجمدت.

العربية دي اختفت بعد وفاته.

وكل الناس افتكرت إنها اتحطمت في الحادث.

لكنها…

كانت واقفة طول الوقت داخل الفيلا، في جراج قديم محدش كان بيدخله.

ولما بصيت للخطاب مرة تانية…

لقيت آخر سطر فيه مكتوب بخط كريم

الحقيقة اللي بتدوروا عليها… مش في الأوراق. الحقيقة لسه جوه العربية جريت ناحية الجراج من غير ما أحس بنفسي.

المستشار، والمحامي، والضابط، وحتى ندى وهي شايلة آدم… كلهم كانوا ورايا.

أما سلوى…

ففضلت واقفة مكانها ثواني، وكأنها بتفكر تهرب.

لكن رجال الأمن كانوا سبقوها.

وصلنا للعربية.

غطاها كان عليه طبقة تراب سميكة، باين إنها ما اتحركتش من سنة.

لكن أول ما ضغطت زر المفتاح مرة تانية…

الأبواب اتفتحت.

عم حسن شهق وقال

والله دي نفس العربية… حتى الخدش اللي في الباب لسه مكانه.

فتحت باب السائق.

ريحة العربية رجعتلي ذكريات كريم كلها.

كان محافظ عليها بنفس طريقته.

ولا حاجة متغيرة.

لكن لما قعدت على الكرسي…

حسيت بحاجة صلبة تحت إيدي.

مديت إيدي تحت المقعد.

طلعت علبة معدنية صغيرة.

عليها ورقة مكتوب فيها

لو لقيت العلبة دي… يبقى فتشت العربية صح.

فتحتها.

لقيت مفتاح صغير جدًا.

ومعاه كارت ذاكرة.

المحامي أخده بحرص.

وقال

لازم نشوف اللي عليه.

دخل الكارت في اللابتوب.

ظهر مجلد واحد.

اسمه…

آدم.

ندى غطت بؤها بإيديها.

فتحنا المجلد.

كان فيه عشرات الصور والفيديوهات.

كريم بيلعب مع آدم.

كريم بيضحك.

كريم بيحتفل بعيد ميلاده.

وفجأة…

ظهر ملف مختلف.

اسمه

إذا حدث لي شيء.

سكتنا كلنا.

ضغطت عليه.

ظهر كريم على الشاشة.

كان قاعد في نفس المكتب اللي كنا فيه من شوية.

وبص للكاميرا مباشرة وقال

أبويا.

.. لو بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا مش موجود. أول حاجة، أوعى تسمح لأي حد يبعد ندى وآدم عن البيت… لأنهم أمانة في رقبتك.

ندى انفجرت في البكاء.

أما كريم فكمل

ولو حد حاول يستخدم اسمي أو اسم العيلة علشان يظلمهم… اعرف إن الحقيقة الكاملة موجودة في مكان واحد بس.

وبعدين رفع ورقة بيضا قدام الكاميرا.

لكن قبل ما يبين اللي فيها…

الفيديو وقف.

ظهرت رسالة على الشاشة

الجزء الثاني محمي برمز.

المحامي حاول يفتحه.

طلب كلمة مرور.

كلنا بصينا لبعض.

ولا حد كان يعرفها.

وفجأة…

آدم، اللي كان ساكت طول الوقت، بص للشاشة وقال ببراءة

بابا كان دايمًا يقوللي… مفتاحنا السري هو اسم المركب.

اتجمدنا كلنا.

ندى رفعت رأسها بسرعة.

وهمست

المركب…

ثم وسعت عينيها وقالت

لا… مستحيل يكون قصده…

وفي اللحظة دي، التفتت ناحيتي وقالت

محمود بيه… أنا افتكرت حاجة عمر كريم ما رضي يحكيها لحد… ولو طلعت صح، يبقى كل اللي اكتشفناه لحد دلوقتي… مجرد البداية ندى كانت بتتنفس بسرعة.

واضح إنها بتحاول تفتكر حاجة مدفونة في ذاكرتها من سنين.

قلت بهدوء

افتكري… أي تفصيلة مهما كانت صغيرة.

غمضت عينيها لحظة، ثم قالت

بعد ولادة آدم بشهر، كريم أخدنا يوم كامل على النيل. استأجر مركب صغيرة، وقعد يقول إن المكان ده هيبقى ذكرى عمرنا. ولما رجعنا، سمّى المركب باسم واحد… وقال محدش غيرنا يعرفه.

المحامي سألها بسرعة

كان اسمها إيه؟

هزت رأسها.

مش فاكرة… لكن فاكرة إن آدم وهو بيحبي كان بيحاول ينطق الاسم ويضحك.

كل الأنظار راحت لآدم.

ركعت قدامه.

وقلت بابتسامة

يا بطل… فاكر اسم المركب؟

آدم حط صباعه على خده وهو بيفكر.

وبعدين ابتسم.

وقال

الأمان.

ندى شهقت.

أيوه… الأمان… ده الاسم.

المحامي كتب الكلمة في خانة كلمة المرور.

ضغط دخول.

ثانيتين…

ثلاثة…

ثم انفتح الملف.

رجع فيديو كريم يشتغل.

ابتسم وهو بيبص للكاميرا، وقال

لو الفيديو اشتغل، يبقى ندى افتكرت اسم المركب… وده معناه إنها لسه قوية زي ما عرفتها.

ندى مسحت دموعها وهي بتبتسم لأول مرة.

وكمل كريم

الملفات اللي لقيتوها مهمة… لكنها مش أخطر حاجة. أخطر حاجة موجودة في مكان محدش هيفكر يدور فيه.

رفع كريم مفتاحًا صغيرًا قدام الكاميرا.

وقال

المفتاح ده مش لبيت… ولا لخزنة.

ثم سكت لحظة.

وأضاف

ده لمكتب الأمانات رقم 214 في البنك.

أنا بصيت للمحامي.

هو كمان اتفاجئ.

كريم أكمل

المكتب ده فيه كل المستندات الأصلية. ولو حد حاول يزوّر ورقة، أو يخفي حقيقة، النسخ الأصلية هناك.

وفجأة…

اتغيرت ملامح سلوى تمامًا.

صرخت من غير ما تحس

لأ!

كلنا لفينا ناحيتها.

أول ما لاحظت إنها اتكلمت، حطت إيدها على بوقها.

لكن كان فات الأوان.

المحامي سألها بهدوء

إيه اللي خلاكي متأكدة إن فيه مكتب أمانات؟

ما ردتش.

الضابط قرب منها خطوة.

وقال

واضح إن المعلومة دي مش جديدة بالنسبة لك.

في اللحظة دي…

رن هاتف المستشار القانوني.

رد، وسكت ثواني وهو بيسمع.

ثم قفل المكالمة، وبصلي مباشرة.

وقال بجدية

لازم نتحرك حالًا.

قلت

ليه؟

قال

البنك اتصل… وفيه شخص راح قبل ساعة، وحاول يفتح مكتب الأمانات رقم 214، لكنه فشل لأنه ما كانش معاه المفتاح الصحيح.

الصمت سيطر على المكان.

المحامي قبض على المفتاح بقوة.

أما أنا…

فعرفت إن الشخص ده ما استسلمش.

وإنه أكيد هيحاول مرة تانية قبل ما نوصل.

وفي نفس اللحظة…

وصلت رسالة على هاتف الضابط من أحد أفراد الأمن عند البوابة

في عربية بتراقب الفيلا من أكتر من ساعة… وأول ما عرفوا إنكم هتتحركوا، بدأت تتحرك وراكم نظرت إلى شاشة هاتف الضابط.

قرأ الرسالة مرة تانية… ثم رفع رأسه وقال

العربية دي كانت واقفة بعيد عن الكاميرات، وكأن اللي فيها عارف المكان كويس.

المحامي قفل الملف بسرعة.

وقال

يبقى مستحيل نخرج كلنا بعربية واحدة.

هزيت رأسي.

صح.

بصيت لمدير الأمن.

وقلت

هتطلع عربيتين من البوابة الرئيسية… لكن أنا والمحامي هنخرج من البوابة الخلفية.

سلوى كانت واقفة ساكتة.

لكنها فجأة قالت

أنا مش فاهمة… كل ده عشان كام ورقة؟

بصيت لها نظرة طويلة.

وقلت

لو كانوا مجرد ورق… ماكنتيش عملتي كل ده.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى