روايات وقصص

طليقي – محمد نور

2

انسحب اللون تماماً من بشرته.

مقالات ذات صلة

واختفت ابتسامة خطيبته، وهي تنظر بينه وبين الأطفال بذهول:

— «دانيال.. من هؤلاء؟»

فتح فمه، لكن لم تخرج منه كلمة واحدة.

لقد تخيلت هذه اللحظة لسنوات—ليس بدافع ، بل لأنني أردته أن ينظر أخيراً إلى الأرواح التي رفض أن يصدق وجودها.

وضعت يدي التي ترتدي القفاز على كتف “أوليفيا”.

— «عيد مبارك، سيادة العقيد.»

سقطت علبة الخاتم من بين أصابع “داني” لتستقر عند حذائه اللامع.

ترنحت والدته إلى الخلف، وتمسكت بإطار الباب لكي لا تسقط.

نظرت حول القاعة الصامتة:

— «عقدت العزم أنه حان الوقت لكي تتعرف عائلة “رينولدز” على أحفادها الأربعة… الذين قيل لكم إنهم لم يولدوا قط.»

شهقة دهشة سرت في أرجاء القاعة.

ظل “داني” يحدق بي وكأن الأرض قد انخسفت من تحت قدميه.

وفجأة، خطى “نوح” خطوة مبتعداً عن جانبي.

مشى مباشرة نحو بطل الحرب المُقلد بالأوسمة الواقف بجانب الموقد، أمال رأسه، وتأمل وجه “داني” ببراءة تامة.

وعندما تحدث أخيراً، جعل سؤاله الفردي والدة “داني” تصرخ بأعلى صوتها—ودفع اثنين من محققي الاستخبارات العسكرية المنتظرين في الخارج للتقدم فوراً نحو الباب الأمامي!

# (الجزء الثاني)

نظر “نوح” إلى “دانيال” بعينين واسعتين يشوبهما الفضول.

— «هل أنت البابا الذي قال إننا لم نولد قط؟»

تردد صداها في القاعة الكبرى كطلقة رصاص.

ترنح “دانيال” إلى الخلف، وغابت كل ملامح الثقة عن وجهه. بينما سحبت خطيبته يدها من ذراعه ببطء، وهي تنظر إليه بذهول وعدم تصديق.

هست “دانيال”.. «ماذا… ماذا يقصد؟»

لم يجبه أحد.

وضعت والدة “دانيال” يدها على فمها فجأة، والدموع تملأ عينيها وهي تنقل نظراتها بين أطفالنا الأربعة. أربعة أزواج من العيون الرمادية المتطابقة، وأربع ابتسامات تحمل غمازة آل “رينولدز”.

همست بأسى: «يا إلهي…»

أخيراً استعاد “دانيال” قدرته على الكلام:

— «كيشا… أنا—أنا لم أكن أعلم.»

قابلت عينيه ببرود ودون أي عاطفة:

— «بل أنت اخترت ألا تعلم.»

خيم صمت خادق على القاعة.

ثم دخل محققان من رئاسة أمن الدولة، وجميع الأقارب يلتفتون نحوهما بنظرات قلقة.

قطّب “دانيال” حاجبيه: «ما هذا؟»

أجبته بحديث متزن: «لحظة واحدة يا سيادة العقيد.»

أخرجت ظرَفاً مغلقاً من حقيبتي وسلمته لوالدته:

— «هذه هي التقارير الطبية، وفحوصات الـ DNA، شهادات الميلاد، وكل إشعارات البريد المسجل التي أرسلتها إلى “دانيال” بعد الطلاق.»

فتحت يداها المرتجفتان الظرف، لتنسكب المستندات واحدًا تلو الآخر على الطاولة الرخامية:

إيصالات البريد المسجل..

أظرف مرجعة كتب عليها: **”مرفوض الاستلام”**..

نتائج البصمة الوراثية التي تؤكد النسب بنسبة 99.99%..

وصور الأشعة الصوتية..

ثماني سنوات من الحقيقة التي تمت تعميتها.

نظر “دانيال” إلى الأوراق وكأنها تخص شخصاً آخر.

تراجعت خطيبته إلى الخلف ببطء، وهمست:

— «لقد كذبت على الجميع!»

ثم خلعَت خاتم الخطوبة من أصبعها ووضعته على الطاولة.

لكن المحققين لم يأتيا من أجل الأطفال.

عندما فتح أحدهما بهدوء ملفاً ثانياً يحمل اسم “دانيال”، أدركتُ أن إفطار العيد على وشك أن يصبح أقل مشاكله شأناً.

تقدمت المحققة الرئيسية، امرأة ذات ملامح حادة وشعر يتخلله الشيب:

— «العقيد دانيال؟»

استقام “دانيال” تلقائياً بحكم رتبته العسكرية: «نعم.»

— «أنا المحققة “سارة”، وهذا زميلي المحقق “فهد”. نحتاج إلى استجوابك بشأن اختلاس أموال من “مؤسسة دعم شهداء الواجب والمرابطين”.»

وقع صمت من نوع آخر.

الصمت الأول كان صدمة… أما هذا الصمت فكان خوفاً.

وقفت المحققة تشرح التفاصيل:

— «تلقّت المؤسسة منحاً حكومية كبرى، ولدينا أدلة على تحويل مبالغ ضخمة منها إلى حسابات خاصة وشركات وهمية مرتبطة باسمك.»

سخر “دانيال” بصوت حاد: «هذا هراء!»

المحققة “سارة”: «إذاً لن تمانع في الإجابة على أسئلتنا.»

— «بل أمانع! تقتحمون مجلس عائلتي صباح العيد وتلقون بالاتهامات—»

قاطعته والدته بنبرة منكسرة: «دانيال..»

التفت إليها بحدة: «ليس الآن!»

فجُعت أمه من أسلوبه، ولأول مرة أراها تنكمش وتتضاءل بعد أن كانت امرأة العائلة القوية.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى