روايات وقصص

بعد انتهاء حفل الزفاف

بعد انتهاء حفل الزفاف، تسللت إلى جناحنا الفندقي قبل وصول إياد. كنت ما أزال أرتدي فستان الزفاف، واختبأت تحت السرير لأفاجئه عندما يدخل. كنت أتخيل ضحكته، ودهشته، والطريقة التي سيحتضنني بها وهو يقول إن حياتنا بدأت أخيرًا. لكن الباب فُتح… ولم يكن إياد أول من دخل. دخلت حماتي “جميلة”، ثم وضعت هاتفها على مكبر الصوت وهي تقول:

 

مقالات ذات صلة

— أنا في الغرفة.

جاءها صوت “رغد” من الطرف الآخر:

— هل غادر الجميع؟

ابتسمت جميلة ابتسامة لم أسمع مثلها من قبل وقالت:

— إياد في الأسفل ينهي الحساب… أما تلك المسكينة فربما تقف أمام المرآة تصلح مكياجها.

تجمدت في مكاني.

قبل ساعات فقط كانت تحتضنني أمام المدعوين وتقول إنني أصبحت ابنتها، أما الآن فكانت تتحدث عني وكأنني مجرد ضحية ساذجة.

ثم سألتها رغد:

— وهل انتهى كل شيء؟

أجابت بثقة:

— بالطبع… العقود وُقعت، والخاتم في إصبعها. أصبحت تمامًا حيث أردناها.

ثم جاءت الجملة التي أوقفت نبض قلبي:

— خلال عام واحد ستكون الشقة لنا. سنقنع الجميع بأنها غير مستقرة نفسيًا، وستغادر وحدها، وإياد سيحصل على كل شيء.

كدت أصرخ.

تلك الشقة اشتريتها من مالي الخاص، لكن أحدًا منهم لم يكن يعلم أنني أخفيت حقيقة ثروة عائلتي منذ بداية علاقتي بإياد. كنت أعيش حياة بسيطة حتى أتأكد أن الرجل الذي سأتزوجه يحبني أنا، لا اسم والدي ولا أمواله.

طوال عامين لم أشك فيه يومًا.

كان يحضر لي الزهور من الباعة الجوالين، ويقول إن كل ما يحلم به بيت هادئ وامرأة يحبها.

وأنا… صدقته.

بعدها بدقائق دخل إياد.

تمسكت بآخر ذرة أمل، وقلت في نفسي:

أرجوك… أخبرني أن أمك تكذب.

لكن أول ما قاله كان:

— الليلة فقط… ما زال عليّ أن أتظاهر بأنني مشتاق إليها.

ثم ردت أمه ببرود:

— تذكر الخطة… بعد عام ستنتقل رغد للعيش معك، وتحصل الطفلة على غرفتها.

شعرت وكأن الهواء اختفى من حولي.

ولم يكتفِ بذلك، بل ضحك وهو يقول:

— أمل؟ إنها مملة… مثل طبق أرز أبيض بلا طعم.

في تلك اللحظة لم أبكِ…

أخرجت هاتفي بهدوء من تحت فستان الزفاف، وبدأت أسجل كل كلمة.

تركتهم يتحدثون بحرية عن الشقة، وعن رغد، وعن خطتهم لتدمير سمعتي حتى أرحل وأترك كل شيء لهم.

وعندما غادروا، بقيت دقائق طويلة تحت السرير حتى تأكدت أن المكان أصبح خاليًا.

2

بعد انتهاء حفل الزفاف

ثم خرجت ببطء.

كان فستاني متسخًا، ومكياجي قد اختفى، لكن الشيء الذي تغير حقًا لم يكن مظهري…

بل أنا.

خلعت فستان الزفاف، ارتديت بنطال جينز وسترة، وغادرت الفندق من سلالم الطوارئ دون أن يراني أحد.

وفي الواحدة صباحًا اتصلت بوالدي.

قلت له:

— أبي… أيقظ المحامية سارة فورًا… لقد سمعت كل شيء، وسجلته.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم سألني:

— أين أنت الآن؟

قلت:

— عائدة إلى البيت.

فقال بهدوء جعلني أشعر للمرة الأولى أنني لست وحدي:

— عودي… ومن هذه اللحظة، انتهت لعبتهم.

لكنني لم أكن أعلم أن التسجيل الموجود في هاتفي لن يدمر زواجي فقط…

عندما توقفت سيارة الأجرة أمام منزل أبي، كان الباب قد فُتح قبل أن أصل إليه.

وقف أبي على الدرج بملابس النوم، ووجهه شاحب على غير عادته، وإلى جواره سارة، محامية العائلة.

ما إن رآني حتى احتضنني بقوة وهمس:

— أنا آسف.

عندها فقط شعرت أن كل القوة التي تماسكت بها منذ خروجي من الفندق بدأت تتصدع.

قلت بصوت مكسور:

— كنت غبية.

هز رأسه بحزم.

— لا… كنتِ تثقين بالشخص الخطأ.

دخلنا إلى المكتبة، وسألتني سارة مباشرة:

— هل ما زلتِ تحتفظين بالتسجيل؟

أخرجت هاتفي وأومأت.

— سجلت معظم حديثهم.

قالت بهدوء:

— ممتاز. من هذه اللحظة لا تحذفين رسالة، ولا تردين على أحد دون استشارتي. كل شيء أصبح دليلاً.

بدأت تسألني عن الحساب المشترك، والشقة، والوثائق التي وقعتها.

عندما أخبرتها أن جزءًا كبيرًا من مدخراتي دخل إلى الحساب المشترك قبل شراء الشقة، تبادلت هي وأبي نظرة صامتة.

قال أبي:

— أنا لست غاضبًا منك… بل ممن استغل ثقتك.

ثم شغّلنا التسجيل.

امتلأت الغرفة بأصوات جميلة ورغد، ثم صوت إياد وهو يقول إنه سيواصل التظاهر بحبه ليلة الزفاف.

ساد الصمت بعد انتهاء التسجيل.

أغلقت سارة الحاسوب وقالت:

— هذا التسجيل كفيل بتغيير مسار القضية، لكن الأهم الآن أن نتصرف بهدوء.

في تلك اللحظة بدأ هاتفـي يهتز.

كان إياد.

تركته يرن حتى انطفأت الشاشة، ثم وصلت رسالة:

“أين أنت؟”

ثم أخرى:

“هل تحاولين إحراجي؟”

كتبت سارة ردًا قصيرًا:

“أنا بخير، وأحتاج إلى بعض الوقت. رجاءً لا تتصل بي الآن.”

بعد ثوانٍ جاء الرد:

“هل كل هذا بسبب رغد؟ كنت أعرف أنك تغارين منها.”

ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة وقالت:

— لا تجيبي.

أردت أن أخبره أنني سمعت كل كلمة قالها، لكنني التزمت الصمت.

قالت سارة:

— دعيه يظن أنك لا تعرفين شيئًا… فالإنسان يكشف نفسه عندما يشعر بالأمان.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى