روايات وقصص

عاد فارس من الغربة ليلاً ليفاجئ زوجته..

انقبض قلب فارس واندفع نحوها، جاثيًا على ركبتيه أمامها، ممسكًا بيديها الباردتين وهو بصوت بالدموع يارا! إيه ده؟ إيه اللي حصل؟ فين كل الناس؟ فين أمي؟ فين أختي؟ نظرت إليه يارا بذهول، وكأنها ترى طيفًا أو حلمًا لا تصدقه. حاولت أن تبتسم، لكن دموعها سبقتها وانهمرت بغزارة على وجنتيها الشاحبتين. همست بصوت متهدج فارس.. أنت جيت؟ أومأ برأسه وعيناه تملأهما الحيرة أيوة جيت يا حبيبتي، جيت بدري عشان أفاجئكم.. بس إيه اللي أنا شايفه ده؟ هما فين؟ تطلعت يارا إلى الأرض هربًا من نظراته المليئة بالقهر، وقالت بضعف سافروا.. شعر فارس كأن صخرة سقطت على صدره سافروا؟ كلهم؟ وأمي فين؟ هزت رأسها إيجابًا. سألها وعقله يرفض التصديق هيرجعوا إمتى؟ أجابته بصوت يكاد لا يُسمع يوم 4 يناير. تراجع فارس خطوة إلى الوراء، يضرب جبهته بيده سافروا فين في البرد ده وسايبينك في الحالة دي؟ بنتي نايمة على الأرض ببطانية خفيفة وأنت بتاكلي نودلز ناشفة؟ راحوا فين يا يارا؟ يارا بالبكاء الشديد وهي تجيب كانكون.. المكسيك.
في تلك اللحظة، شعر فارس بأن الأرض تدور به. أسرع يفتح الثلاجة ليرى إن كان هناك أي طعام ترجوه بها، ليفاجأ بأنها فارغة تمامًا حتى من زجاجات الماء. لم يكن هناك دجاج، ولا زبادي، ولا مكملات، ولا حتى علبة حليب واحدة للطفلة الرضيعة. الفريزر كان نظيفًا كأنه لم يستعمل من قبل. كل الأغذية الفاخرة التي اشتراها بماله الخاص قبل سفره، وكل ما أرسل ثمنه من ألمانيا ليتم تخزينه لزوجته ونفاسها، قد تبخر. وعلى باب الثلاجة، لفتت انتباهه ورقة بيضاء صغيرة ملصقة بشريط لاصق. اقترب منها وقرأ الكلمات المكتوبة بخط يد يعرفه جيدًا، خط يد والدته
ما تتصليش بيه… هو في الشغل ومسحول في الغربة. وما تعمليش مشاكل من غير لازمة وتنكدي عليه وتخربي سفرتنا.
انتزع فارس الورقة ، وشعر في صدره. نظر إلى يارا وسألها بصوت يرتجف من شدة أمي اللي كتبت دي؟ لم تجب يارا، بل غطت وجهها بيديها واستمرت في البكاء. لم يكن هناك داعٍ للكلام، فالصمت كان أبلغ من أي إقرار. اقترب فارس من ابنتيه، حمل يارا بلطف وقبل جبينها، ثم حمل طفلته الصغيرة التي كانت ترتعش، وقام بلفها بمعطفه الشتوي الثقيل والدافئ الذي كان يرتديه، ووضعهما في غرفة النوم الدافئة. اتصل فورًا بطبيب يارا الخاص وأخبره بالحالة الإسعافية لزوجته، كما تواصل مع صيدلية كبرى لشراء حليب الأطفال الخاص بالمبتسرين، وحفاضات،

وأدوية مسكنة ومضادات حيوية ليارا. بعدها، استخدم هاتفه لطلب كميات ضخمة من الأطعمة الطازجة، العصائر الطبيعية، الشوربة الساخنة، واللحوم من أحد المطاعم الراقية المجاورة التي تقدم خدمات التوصيل السريع.
ساعة كاملة مرت وهو يتحرك في البيت ، ينظف، يرتب، ويدفئ الغرفة. وعندما وصل الطبيب وفحص يارا، أكد أن جرحها ملتهب بسبب قلة الحركة السليمة وسوء التغذية الحاد، وأن الطفلة كانت على وشك الإصابة بنزلة برد حادة لولا ستر الله وصوله في الوقت المناسب. كتب الطبيب الأدوية اللازمة وشدد على ضرورة الراحة التامة والتغذية المكثفة. بعد رحيل الطبيب وتناول يارا وجبة ساخنة مغذية وإرضاع الطفلة ونومهما في دفء وأمان، خرج فارس إلى صالة المعيشة وجلس على الأريكة في الظلام. كان الهدوء الذي يلف المنزل هدوءًا يسبق العاصفة المدمرة.
أخرج هاتفه المحمول وفتح تطبيق كاميرات المراقبة المنزلية التي كان قد قام بتركيبها في الصالة والمطبخ والممر الخارجي لحماية البيت قبل سفره، والتي لم يكن أحد من عائلته يدرك أنها تسجل الصوت والصورة بدقة وتخزنها على خادم سحابي. حدد تاريخ الأمس، الثلاثين من ديسمبر، وبدأ يستعرض التسجيلات وعيناه تلمعان ببريق غاضب وحاسم.
رأى المشهد كاملاً بالصوت والصورة
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحًا. دخلت أمه نادية، ومعها أخته مي، وزوجها شريف يحمل حقائب سفر فارغة. بدأت أمه وأخته في فتح الثلاجة والفريزر بكل برود، وتفريغ كل محتوياتهما من لحوم، ودواجن، وفواكه، ومكملات غذائية في أكياس كبيرة لنقلها إلى سيارة شريف. كانت يارا تقف عند باب المطبخ، مستندة إلى الجدار بضعف وهي تترجاهما بدموعها يا ماما نادية، أرجوكي سيبولي فرخة واحدة على الأقل.. أنا مش قادرة أقف على رجلي أطبخ، والبيبي محتاجة رضاعة طبيعية وأنا ماليش حد هنا.

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى