عام

لماذا اعتنق الدكتور چورچ صليبا دين الاسلام

إن رحلة البحث عن الحقيقة هي أسمى ما قد يقوم به العقل البشري، فهي رحلة تتجاوز المألوف لتصل إلى جوهر الوجود. في هذه القصة، نلقي الضوء على تجربة الدكتور جورج صليبا، الأكاديمي اللبناني الذي خاض رحلة فكرية وعلمية عميقة انتهت باعتناقه للإسلام، محولاً مسار حياته من العلمانية والإلحاد إلى الإيمان الراسخ.

 

النشأة والبحث عن الإجابات
ترعرع الدكتور جورج في بيئة مسيحية تقليدية، لكن فطرته كانت تتوق دائماً إلى فهم الحقائق لا مجرد اتباع الروايات. كان يرى في التساؤلات التي تراوده ضرورة لا بد من إجابتها؛ فهو لم يقتنع بقصص لا تجد لها أصلاً في الواقع أو العلم، مثل قصة التنين المرتبطة بالقديس جاورجيوس.

كانت تساؤلاته تمس جوهر العقيدة التي نشأ عليها، فتعجب من فكرة “موت الإله”. تساءل: ألا يملك الخالق وسيلة أرحم وأقوى لغفران الذنوب من التضحية بنفسه؟ كان يرى أن قدرة الله المطلقة تتجلى في قوله “كن فيكون”. هذه الحيرة العقائدية، مقترنة بالتقصير في تقديم الدين بشكل منطقي في بيئته، دفعته للابتعاد كلياً عن الدين، متجهاً نحو العلمانية ثم الإلحاد، لكن صوتاً خفياً في أعماقه كان يذكره دائماً بوجود خالق لهذا الكون.

الانعطاف العلمي: من النسبية إلى الإيمان
كانت نقطة التحول في رحلة الدكتور جورج أكاديمية بامتياز. أثناء دراسته للنظرية النسبية لأينشتاين في تشيكيا، وجد إجابات علمية مقنعة حول مفاهيم كان يراها سابقاً مستحيلة. بدأ يرى تناغماً بين الحقائق العلمية ومفهوم القدرة الإلهية المطلقة، معتبراً أن الخالق هو الأعلم بصنعته، فما المانع أن يملك الخالق القدرة على إحياء الموتى أو شفاء الأبرص كما ورد في القرآن الكريم عن المسيح عليه السلام؟.

بدأت رحلة البحث الجدي عن الخالق المدبر للأمور، مستلهماً قوله تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ” (الأعراف: 54).

لحظة اللقاء: كلمة غيرت المسار
في إحدى محاضراته العلمية حول نشوء الكون في براغ، ورغم كونه ملحداً حينها، نطق بجملة كانت بمثابة الشرارة: “لا بد من وجود قوة خارجية قادرة على تحريك هذا الكون”. قاطعه أحد الحاضرين، وهو رجل مسلم، مؤكداً له أن هذه القوة هي الله جل في علاه، وأنهم على يقين بذلك. تلك الكلمة البسيطة التي خرجت بعفوية من هذا الرجل جعلت الدكتور جورج يعيد التفكير في عناده الفكري، وبدأ رحلة البحث عن الله عز وجل.

تجربة المسجد: السكينة المفقودة
بدأت الخطوات العملية عندما رافق صديقه المسلم إلى المسجد يوم الجمعة. وهناك، أصابته الدهشة حين رأى مئات الناجحين في حياتهم—من أطباء ومهندسين ورجال أعمال—يجلسون على الأرض بسكينة ووقار. كانت تلك أول مرة يرى فيها هذا النوع من الخضوع والهدوء الروحي.

لفت نظره الخطيب بهيئته البسيطة وكلماته التي لم تكن استفزازية بل موعظة جذبت روحه. بدأ بطرح أسئلة جوهرية حول معاني القرآن الكريم، وعندما قرأ تفسير العلامة السعدي، وجد فيه السكينة التي طالما بحث عنها؛ تفسير سلس ومبسط يلائم عقله الباحث عن المنطق.

القرآن: كونه ناطق وكتالوج للإنسان
بعد تعمقه في قراءة القرآن، أدرك الدكتور جورج حقيقة مذهلة: “الكون هو قرآن صامت، والقرآن هو كون ناطق”. وجد في القرآن “كتالوجاً” دقيقاً لهذا الكون البديع، يجيب على كل التساؤلات الوجودية التي راودته. وجد إلهاً حياً لا يموت، إلهاً يدعو أهل الكتاب للحق والتوحيد.

التحدي العقلي: هل القرآن من تأليف بشر؟
خاض الدكتور جورج صليبا تحدياً عقلياً مع نفسه، متسائلاً: هل القرآن من تأليف النبي محمد ﷺ؟. قام بتحليل الأمر منطقياً:

المصلحة الشخصية: وجد أن الإسلام لم يمنح النبي ﷺ ثراءً دنيوياً، بل عاش زاهداً.

التحدي الخالد: تحدى القرآن الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وهو تحدٍ لم يجرؤ أحد على مواجهته بنجاح عبر القرون.

الآيات والمواقف: كيف يعاتب القرآن النبي ﷺ في مواقف مثل سورة “عبس” لو كان هو المؤلف؟.

الحفظ والصدق: كان واثقاً من حفظ القرآن، وهو ما أثبتته المخطوطات القديمة التي تطابقت مع المصاحف الحديثة.

الخاتمة
بعد شهرين من التأمل المنطقي والبحث العلمي، وصل الدكتور جورج إلى يقين بأن القرآن هو كلام الله، وأن محمداً ﷺ هو نبي الله. تحول الدكتور جورج من باحث عن إجابات في دهاليز الفلسفة والإلحاد، إلى مؤمن وجد في التوحيد والقرآن جوهر الحقيقة وراحة النفس. إن قصته تظل نموذجاً ملهماً لكيفية استخدام العقل والتدبر في الوصول إلى الإيمان، داعياً في النهاية إلى أن يرزقه الله لذة النظر لوجهه الكريم.

المصدر:
تجربة الدكتور جورج صليبا – قصة اعتناقه للإسلام كما وردت في سياق البحث عن الحقيقة والمنطق العلمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى