
بعد ما جوز أمي بكشاف حديد على دماغي وغبت عن الوعي، سحلني لحد مستشفى الدمرداش.. وأمي الشريكة معاه في الجرم كدبت على الدكتور وقالت دي اتزحلقت في الحمام.. وفي نفس الوقت جوز أمي كان بيجبرني أمضي على إقرار توكيل طبي رسمي.. تفيت من بؤي على خانة الإمضاء، وعملت نفسي ب يجيلي تشنجات .. الدكتور قفل الباب بالمفتاح وطلب النجدة حالا.. أول ما الباب اتقفل قعدت على وسلمته كيس بلاستيك ضد المية كان جوز أمي وأمي للأبد!
أول حاجة استوعبتها لما فقت كانت ريحة المظهر والقهوة البايتة، الريحة اللي أي صالة طوارئ في مستشفيات مصر بتتنفسها بعد نص الليل.. تاني حاجة كانت طعم والنحاس تحت لساني.. وتالت حاجة كان صوت أمي، هادي وبارد كأنها بتقرأ جورنال، وهي بتكدب وتألف قصة عن سبب الوجع والورم اللي في وشي أول ما رمشت عيني دي اتزحلقت.. قالت للدكتور كدة وكملت بلاط الحمام كان مبلول، وهي طول عمرها حركتها تقيلة ومبتخدش بالها.. أنا اسمي هنا، عندي تسعتاشر سنة، يعني سن يسمح لي قانوناً آخد قراراتي الطبية بنفسي على الورق، بس لسه صغيرة لدرجة إن أمي تقف جنب سىرير المستشفى وتداري وتمثل
-
جسر جوي لامريكامنذ 3 أيام
-
العالم اليوممنذ 3 أيام
-
إغلاق السفارات و سحب الموظفينمنذ 4 أيام
إنها مشافتش عادل وهو بيحول بيتنا لمكان السكوت فيه ليه قوانين وقواعد.. بقاله ست سنين عادل بيتعامل مع الرعب والخوف كأنه هواية.. مكنش بيفقد أعصابه، لأن ده كان هيخليه بني آدم طبيعي وعادي.. عادل كان بيضحك الأول.. يدرس وشك.. ويعرف أنهي كلمات تخليك تترعش وتخاف قبل ما إيده تتحرك أصلاً.. وأمي كانت بتساعده بأنها تبص الناحية التانية وتعمل مش شايفه.. الليلة دي بدأت في المطبخ، تحت النور الأصفر بتاع البوتاجاز، والتلاجة بتزن، وكومة ورق محطوطة جنب مج قهوة نص فاضي.. عادل زق ورقة ناحيتي وخبط بقلم على السطر الأخير امضي هنا يا قطة.. ده مجرد توكيل طبي وتفويض رسمي عشان مصلحتك.. قولت له لأ.. الكشاف الكبير كان محطوط على الرخامة عشان عادل بيحب يسيب كشاف حديد ثقيل في كل أوضة.. كشاف ألومنيوم أسود ومتين.. عملي، زي ما كان بيسميه.. أنا فاكرة الصوت الساقع بتاعه وهو بيتحرك تحت كف إيده.. فاكرة أمي وهي واقفة جنب الحوض، بتنشف نفس الطبق بقالها ساعة.. وفاكرة بلاط المطبخ وهو بيجري على وشي وبيتلقاني.. وبعدها مفيش، ضلمة.. على الساعة حداشر وست دقائق بالليل، مستشفى الدمرداش سجلتني في الدفاتر إصابة
نتيجة وقعة في البيت.. وعلى حداشر وأربعتاشر دقيقة، الدكتور إيهاب بدأ يسأل أسئلة أمي مكنتش حباها.. كان بيبص على العلامات الزرقاء القديمة اللي تحت الورم الجديد.. شاف شكل صوابع معلمة حوالين معصم إيدي.. وشاف إزاي أمي بترد بسرعة قبل ما أفتح بؤي بكلمة.. البيوت اللي فيها ظلم بيبقا ليها رقصة وحافظينها.. واحد بيوجع ويضىرب.. وواحد بيشرح ويألف كدب.. وواحد بيفضل ساكت عشان السكوت هو الحاجة الوحيدة اللي بتخلي الصبح يصحى ويعدي.. عادل دخل الأوضة قبل ما دكتور إيهاب ينطق بكلمة بوليس.. كان مغير قميصه.. مسرح شعره..
وجايب معاه موظف من الشهر العقاري معاه دفتر جلد وقافله على صىدره كأنه جاي لإمضاء روتيني مش لسىرير مستشفى بعد نص الليل.. عادل حط التوكيل النضيف على التربيزة الفايل اللي جنب .. الورقة كانت بيضا وجميلة بشكل مستفز تحت كشافات النيون بلاش حركات وأفلام.. امضي وخلصينا عشان الدكتور يشوف شغله ويخيط الجىرح.. أمي لمست البطانية بتاعتي.. إيدها كانت دافية، وكرهت نفسي إني لسه بحس بدفاها يا هنا.. عشان خاىطري متخليهوش يقلب ويزعل.. لثانية واحدة صعبة، تخيلت إني بمسك سور الحديد وبلف بيه
على دماغه لحد ما كل السنين الساكتة في البيت ده تلاقي حتة تروح فيها.. تخيلت إني بصىرخ صرخة تصحي التمريض كله.. بس الغل والزعير كان الحكاية اللي عادل بيعرف يركبها ويقلبها لصالحه.. عشان كدة مديت إيدي وأخدت القلم.. ضحكة عادل وسعت.. افتكر إن الرعب كسرني وأخيراً بقيت بطوعه.. مكنش يعرف إني بحضر لليوم ده بقالي أربع شهور كاملة.. مكنش يعرف إني موثقة تواريخ، وكدمىات، وتسجيلات جوه المطبخ،
والكلام والنبرة اللي كان بيتكلم بيها لما يفتكر إن محدش برة البيت هيسمعه أبدًا.. مكنش يعرف إن كل مرة كان بيخليني أشيل فيها أكياس طلبات البيت بكم طويل عشان أدير الكدىماىت، أو لما كان بيقول لأمي هتقول إيه في الطىوارئ، كنت بحفظ أكتر من الوجع نفسه.. الرجالة اللي شبه عادل بيغلطوا ويقعوا لما يفتكروا إن السكوت والمداراة غباء وقلة حيلة.. القلم لمس صوابعي.. موظف الشهر العقاري ميل بالدفتر.. عين دكتور إيهاب ضيقت بقلق.. وعين أمي نزلت الأرض.. عضيت شفتي من جوه بكل قوتي لحد ما بؤي اتملى دم.. وبعدين ميىلت فوق التوكيل وتفيت الدىم كله مباشرة على سطر الإمضاء.. البقعة الحمراء بوظت ورقة عادل النضيفة ومحت السطر.. الموظف شهق
ورجع
متابعة القراءة







