
2
لم يمضِ على ولادتي سوى أربعة أيام
-
الأرصاد» تكشف تفاصيل طقس الـ5 أيام المقبلة..منذ 6 أيام
-
طفلة الشرقيةمنذ أسبوع واحد
-
أبو طليقيمنذ أسبوع واحد
لكن السؤال لم ينتهِ بعد لأنني نظرتُ إلى الممرضة مرة أخرى، وقلتُ:
“أين هي الآن؟”
لم تُجب فورًا. بل أغلقت الملف ببطء.
ثم قالت:
“هذا ما نحتاج أن نعرفه.”
وفي تلك اللحظة أدركتُ أن ما ظننّاه خطأً بسيطًا…
كان أكبر من ذلك بكثير.
وأن الطفلة الثالثة…
لم تكن فقط …
بل لم يعد أحد يعرف إلى أين ذهبت.
لم يعجبني صمت الممرضة.
لم يكن صمتًا عاديًا… بل ذلك النوع من الصمت الذي يخفي ارتباكًا لا يريد أحد الاعتراف به.
نظرتُ إليها بثبات وقلتُ:
“لا تقولي لي إنكم لا تعرفون.”
ترددت، ثم قالت بصوتٍ منخفض:
“نعرف… لكننا نحتاج أن نتأكد.”
لم أعلّق.
كنتُ أعلم أن كلمة “نتأكد” تعني شيئًا واحدًا:
أن هناك خللًا… وأنهم يحاولون فهم حجمه قبل أن يعترفوا به.
تحركت الممرضة سريعًا نحو الهاتف الداخلي، وتحدثت بصوتٍ خافت، ثم عادت بعد دقائق ومعها طبيبة لم أرها من قبل.
كانت هادئة… لكن ملامحها لم تكن كذلك.
“أنا الطبيبة المناوبة في القسم.” قالتها بنبرة رسمية، ثم نظرت إلى الطفلتين، وإلينا. “أُخبرتُ أن هناك التباسًا في المواليد.”
أجبتها مباشرة:
“ليس التباسًا… هناك طفلة .”
سكتت لحظة، ثم قالت:
“دعونا نراجع الأمور خطوة بخطوة.”
أشارت إلى غرفة جانبية، فدخلنا جميعًا.
وضعتُ الطفلتين على أمامي، وبقيتُ قريبة منهما، كأنني أخشى أن تختفيا إن ابتعدتُ لحظة.
فتحت
الطبيبة السجلات أمامها، وبدأت تسأل:
“اسمك؟”
“ريم.”
“وتاريخ الولادة؟”
أجبتها.
ثم التفتت إلى نورة، وسألتها الأسئلة نفسها.
كانت نورة ترد بصوتٍ ضعيف، لكن واضح.
بعد دقائق من المراجعة، توقفت الطبيبة.
رفعت رأسها ببطء.
“هناك ثلاث مواليد بنفس الفترة الزمنية.” قالتها بهدوء.
نظرتُ إليها دون أن أتكلم.
أكملت:
“تم نقل إحداهن إلى الحضانة للفحص… ثم حدث تغيير في أماكن الأطفال.”
سكتت لحظة… ثم أضافت:
“ويبدو أن بطاقة تعريف واحدة على الأقل وُضعت على الطفلة الخطأ.”
شعرت وقلتُ:
“وأين الطفلة الثالثة؟”
نظرت الطبيبة إلى الممرضة، ثم عادت إليّ.
شعرتُ بأن الأرض اختفت تحت قدمي.
“لمن؟”
قلبت الملف، ثم قالت:
“لأسرة خرجت قبل ساعات.”
تجمّدت نورة في مكانها.
أما أنا… فشعرتُ بشيء بارد يمرّ في جسدي.
“هل أنتم متأكدون؟” سألتُ.
أجابت:
“هذا ما هو مسجّل.”
سكتُّ لحظة… ثم قلتُ ببطء:
“إذن هناك عائلة الآن… تحمل طفلة ليست لها.”
لم تُجب. لأن الإجابة كانت واضحة.
نظرتُ إلى نورة، فوجدتها تبكي بصمت، هذه المرة بلا صوت تقريبًا.
“ابنتي…” همست بها.
لكنني لم أواسيها. لأنني كنتُ أفكّر في شيء آخر.
تلك الطفلة التي خرجت من هنا مع أمٍّ لا تعلم أنها ليست ابنتها.
قلتُ للطبيبة:
“أريد اسم العائلة.”
ترددت.
“هناك إجراءات—”
قاطعتها:
“طفلة خرجت من المستشفى
خطأ… هذا ليس إجراءً.”
ساد صمت قصير.
ثم قالت الطبيبة أخيرًا:
“سأحاول التواصل معهم.”
لم يكن ذلك كافيًا. لكنني لم أملك خيارًا آخر.
مرّت دقائق ثقيلة ثم عاد أحد الممرضين مسرعًا، وهمس بشيء في أذن الطبيبة.
تغيّرت ملامحها.
نظرت إليّ وقالت:
“تم الوصول إليهم… وهم في طريقهم إلى هنا.”
لم أشعر بالراحة.
بل بشيء يشبه التوتر الذي يسبق نهاية لا تعرف شكلها.
انتظرنا. كل دقيقة كانت أطول من التي قبلها.
حتى فُتح الباب أخيرًا دخلت امرأة… تحمل طفلة.
كانت تمشي ببطء، وعيناها مليئتان بالحيرة.
خلفها زوجها، يبدو عليه الارتباك.
توقفت عند الباب، ونظرت إلينا.
ثم إلى الطفلتين ثم إلى طفلتها بين ذراعيها.
وقالت بصوتٍ خافت:
“قالوا إن هناك خطأ…”
لم أتحرّك فورًا لكنني نظرتُ إلى الطفلة التي معها.
ثم… شعرتُ بشيء.
نفس الإحساس الذي شعرتُ به من قبل.
ذلك الهدوء المفاجئ… الذي لا تفسير له.
اقتربتُ خطوة.
“هل يمكنني؟” سألتها.
ترددت… ثم سلّمتني الطفلة.
ما إن حملتها حتى عرفت.
لم يكن هناك دليل واضح ولا علامة…
لكن جسدي سبقني.
هذه ابنتها.
رفعتُ عيني إلى نورة.
كانت تحدّق في الطفلة، وكأنها ترى حياتها تعود أمامها.
تقدّمت ببطء… ويدها ترتجف.
“هذه…”
لم تكمل.
لكنها لم تكن بحاجة لذلك.
سلّمتها الطفلة.
بكاء طويل… صامت… كأنها كانت
منذ البداية.
وقفتُ أراقب لا شماتة ولا تعاطف كامل…
فقط شعور ثقيل… بأن كل شيء انتهى… لكن ليس كما كان.
عادت كل طفلة إلى أمّها.
لكن لم تعد أيٌّ منا كما كانت.
نظرتُ إلى ابنتي بين ذراعيّ، وضممتُها أكثر.
هذه المرة… كنتُ متأكدة.
أما نورة…
فبقيت تحتضن ابنتها وكأنها تخشى أن تُسلب منها مرة أخرى.
رفعت رأسها نحوي، وعيناها ممتلئتان بشيء لا يشبه ما كان من قبل.
“أنا…”
توقفت.
لم تجد كلمة.ولم أطلب منها ذلك.
نظرتُ إليها لحظة… ثم قلتُ بهدوء:
“انتهى الأمر.”
فكلانا علمنا في داخلنا أن الثقة التي فُقدت تلك الليلة لن تعود كما كانت أبدًا.
وبينما كنتُ أخرج من الممر، أحمل ابنتي وأحاول أن أستوعب ما انتهى للتو… مررتُ بجانب غرفة مفتوحة نصف فتحة.
لم أكن أنوي التوقّف.
لكن صوتًا داخلها شدّني دون قصد.
كانت مجموعة من الممرضات يتحدثن، بنبرة منخفضة، لكنها لم تكن كافية لإخفاء ما قيل.
“قلتُ لكِ إن البطاقات يجب أن تُراجع مرتين…”
ردّت أخرى، بنفاد صبر:
“وكأن لدينا وقتًا لذلك في كل نوبة!”
تدخّلت ثالثة، بصوتٍ أخفض:
“الحمد لله أنهم اكتشفوا هذه الحالة بسرعة…”
سكتت لحظة… ثم أضافت:
“ليس مثل المرة السابقة.”
توقّفت قدماي دون أن أشعر.
“أيّ مرة؟” سألتها إحداهن.
جاء الرد سريعًا… وكأنه شيء لا يُقال بصوت عالٍ:
“قبل أشهر… خرجت أمّ بطفلٍ ليس لها… ولم يُكتشف الأمر إلا بعد أيام.”
ساد صمت
قصير داخل الغرفة.
ثم قالت أخرى، محاولة إنهاء الحديث:
“لا تعيدي هذا الكلام… إن سمعه أحد ستكون مشكلة.”
تحرّكتُ بعدها مباشرة.
لم ألتفت ولم أُصدر صوتًا…
لكن الكلمات ظلّت عالقة في رأسي.
خرجتُ من المستشفى وأنا أضمّ ابنتي بقوة، نظرتُ إلى ابنتي بين ذراعيّ… وضممتُها أكثر، وكأنني أحاول أن أُثبت أنها هنا… أنها لي.
لكن الفكرة كانت قد وصلت بالفعل.
كم أمٍّ خرجت من هذا الباب وهي تظن أنها تحمل طفلها…
بينما كانت تحتضن طفلًا آخر… لا تعرفه… ولن تعرفه أبدًا؟
كم طفلٍ كبر في بيتٍ ليس له وتعلّق بوجهٍ ليس أمّه…
ونادى باسمٍ ليس اسمه الحقيقي؟
احتمالًا مخيفًا








