Uncategorized

ثلاثة أشهر في حمّام المدرسة… بينما الجميع يظنّه طالبًا عاديًا

ثلاثةُ أشهرٍ في حمّام المدرسة: طالبٌ بائسٌ نام في حمّام المدرسة طوال ثلاثة أشهر، يغسل وجهه في المغسلة كلَّ صباح، ويرتدي ملابسه داخل المرحاض — لم يعلم أحد، لم يسأل أحد، لم ينشغل أحد — حتى اليوم الذي نُودي فيه اسمه على المنصّة، فبدأ الجمهور بأكمله بالبكاء دون أن يعرف قصّته.

كان كلُّ يومٍ يمرّ وكأنّ شيئًا لا يتغيّر.

مقالات ذات صلة

المعلّمون منشغلون بالشرح، والطلاب غارقون في أحاديثهم، وواجباتهم، وأحلامهم. وفي خضمّ ذلك كلّه، كان هناك سليم؛ صامتًا، يكاد لا يُسمَع صوته، ويبدو وكأنّه راضٍ بأن يظلّ غير ملحوظ.

لكن الحقيقة أنّه لم يكن راضيًا… بل كان قد اعتاد فقط.

اعتاد كتم الجوع.

في وقت الاستراحة، بينما يفتح زملاؤه علب طعامهم—أرزًّا، أو طعامًا بسيطًا، أو حتى قطعة خبز—كان سليم يكتفي بشرب الماء ببطء. أحيانًا كوبين، وأحيانًا ثلاثة. ليس لأنّه عطشان، بل ليخدع معدته.

وإذا عرض عليه أحدهم الطعام، ابتسم فورًا وقال:

“ما زلتُ شبعانًا.”

لكن الحقيقة أنّ معدته كانت فارغة منذ زمن.

في الصف، كانت عيناه تغفو أحيانًا، لا لأنّه كسول، بل لأنّه محروم من النوم. فكيف ينام جيدًا، وسريره أرضية باردة، وغطاؤه لا

يكاد يدفئه؟

ورغم كلّ ذلك، كان هناك شيء واحد لم يهمله أبدًا… دراسته.

في الليل، حين تخلو المدرسة من الجميع، يخرج بهدوء من الحمّام الذي يقيم فيه، ويتّجه إلى ممرٍّ لا يزال فيه ضوء خافت. هناك يجلس على الأرض، يخرج كتبه، ويبدأ في القراءة.

صامت…

وحيد…

لكنّه مُصرّ.

بينما ينام الآخرون في أسرّتهم المريحة، كان هو يدرس في سكون المدرسة، كأنّ كل صفحة يقرؤها تقرّبه خطوة من الخروج من واقعه.

وفي يومٍ ما، لاحظه معلّمه.

سأله باستغراب:

“لماذا تحقّق أعلى الدرجات دائمًا رغم أنّك تبدو مرهقًا؟”

اكتفى بابتسامة خفيفة وقال:

“أريد فقط أن أتخرّج.”

كانت الإجابة بسيطة…

لكن خلف هذه البساطة، كان يختبئ عالمٌ كامل، عالمٌ مثقلٌ بالتعب، والخوف، وأملٍ صغيرٍ يتمسّك به بكل ما أوتي من قوة، كأنّه آخر ما تبقّى له.

بالنسبة إلى سليم، لم يكن التخرّج مجرّد شهادة، ولا وسامًا يُعلّق على الجدار، ولا فخرًا يُروى للآخرين، بل كان طريق النجاة الوحيد، الباب الذي يحاول العبور منه هربًا من حياةٍ ضاقت به حتى لم تترك له ملجأً.

كان يدرك في أعماقه أنّ بقاءه على هذا الحال ليس ممكنًا إلى الأبد، ومع ذلك استمرّ، يخفي

قصّته، ويكتم ألمه، ويعيش يومه كأنّ شيئًا لم يكن.

لكن الأسرار، مهما طال صمتها، تثقل صاحبها.

ومع مرور الأيام، بدأ ذلك السرّ يكبر، لا في حجمه، بل في وطأته عليه، في خوفه الدائم من أن يُكشف، في قلقه من كلّ خطوة، ومن كلّ نظرة قد تطول أكثر من اللازم.

كانت هناك لحظات اقترب فيها الأمر من الانكشاف، لحظات كادت الحقيقة فيها أن تظهر، حين كاد أحدهم أن يلحظه في غير مكانه، أو حين تأخّر قليلًا في الخروج، أو حين سمع صوتًا فاضطرّ للاختباء سريعًا.

وفي كلّ مرّة، كان ينجو…

لكن نجاته لم تكن راحة، بل عبئًا جديدًا يجعله أكثر حذرًا، وأكثر صمتًا، وأكثر وحدة.

حتى جاء ذلك اليوم.

يومٌ لم يكن مختلفًا في بدايته، لكنه كان مختلفًا في نهايته.

تفصيلٌ صغير…

لحظة عابرة…

صورة التُقطت دون انتباه…

لكنها كانت كافية.

كافية لأن تهدم كلّ ما بناه من صمت، وكلّ ما أخفاه طوال ثلاثة أشهر.

وفجأة، لم يعد بإمكانه الاختباء.

السرّ الذي عاش به، وتعايش معه، وصار جزءًا من يومه… بات على وشك أن يُكشف أمام الجميع.

وفي لحظة واحدة، تحوّل من ذلك الطالب الصامت الذي لا يكاد يُسمَع صوته، إلى شخصٍ سيتوجّب عليه أن يُسمَع،

لا لأنّه أراد ذلك، بل لأن الحقيقة لم تعد تقبل الإخفاء.

ذلك الصوت الذي لم يلتفت إليه أحد يومًا…

سيُجبِر الجميع الآن على الإصغاء.

خلال ثلاثة أشهر كاملة، تحوّل حمّام مبنى الصف العاشر إلى قصرٍ سريٍّ خاص بسليم، عالمٍ ضيّق لكنه منظم بعناية شديدة، حيث صار لكل مقصورة فيه غرض محدد يحكي جزءًا من حياته.

في المقصورة الأولى علّق زيه المدرسي القديم بعناية، كأنما يحافظ على ما تبقّى من كرامته.

وفي الثانية رتّب كتبه القليلة، يضمّها إليه ككنزٍ لا يُقدّر بثمن.

أما الثالثة—الأبعد والأكثر خفاءً—فكانت مأواه الحقيقي، حيث ينام متكوّرًا فوق طبقات من الكرتون، يحاول عبثًا أن يمنع برد الأسمنت من التسلل إلى عظامه، بينما الليل يمرّ بطيئًا وثقيلًا عليه، كأنه يختبر صموده كل مرة.

كان يستيقظ قبل الجميع، يغسل وجهه بالماء البارد، وينظر إلى انعكاسه في المرآة المكسورة، يتأكد أنه لا يزال طالبًا مثلهم، لا مجرد شبحٍ يعيش في الظل.

ثم يخرج بهدوء، كأن شيئًا لم يكن، يختلط بالطلاب، يضحك أحيانًا، ويصمت كثيرًا، يخفي قصته خلف عيونٍ بدت دائمًا طبيعية، لكنها كانت تحمل ما هو أثقل من عمره.

لكن تلك الليلة… لم

تكن كأي ليلة.

جاءت ليلة التخرّج، وامتلأت القاعة بأولياء الأمور، بملابسهم الأنيقة، وعطورهم التي تعبق برائحة الفخر، وبالطلاب الذين تلمع أعينهم بأحلامٍ كبيرة، يلتقطون الصور ويعانقون عائلاتهم.

متابعة القراءة

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى