
رسالة تقول له: «نحن لم ننسَ… لكننا أنهينا الحساب.»
ظلّت تلك الكلمات تتردد في رأسه كصدى لا ينتهي، كأنها كُتبت داخله لا على الورق فقط. لم تكن مجرد جملة… كانت حكمًا، نهاية فصل طويل من الأخطاء، وبداية مواجهة لا يمكن الهروب منها.
-
مفاجأة جديدة في قصة بسنت سليمانمنذ يوم واحد
-
الصامت على موائدنامنذ 3 أيام
-
ابوها قدام جوزهامنذ 3 أيام
-
ذات التاسعة والثلاثين عامًامنذ 3 أيام
خرج رامون من المستشفى… يمشي ببطء شديد، وكأن كل خطوة تحتاج منه جهدًا مضاعفًا. كان جسده قد تعافى… نعم… الأطباء أنقذوه… ابنه أنقذه… لكن داخله… داخله كان مكسورًا بطريقة لا يمكن لأي عملية جراحية أن تصلحها.
وقف للحظة عند باب المستشفى، ينظر إلى الخارج. العالم يمضي كعادته… الناس يدخلون ويخرجون… السيارات تمر… الحياة مستمرة… وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن بالنسبة له… كل شيء انتهى.
لم يكن لديه مكان يعود إليه.
لا بيت ينتظره…
لا باب يُفتح له…
لا صوت يناديه باسمه بمحبة…
حتى اسمه… لم يعد يعني شيئًا لأحد.
بدأ يمشي بلا هدف… لا يعرف إلى أين يذهب. خطواته كانت بطيئة… ثقيلة… وكأن كل خطوة تحمل معها ذكرى… وكل ذكرى تحمل معها ألمًا.
أصبح يقضي أيامه في غرفة صغيرة مستأجرة… جدرانها باهتة… صامتة… تشبه حاله تمامًا.
يجلس لساعات أمام التلفاز… لا لأنه يريد
المشاهدة… بل لأنه لا يريد أن يسمع صوته الداخلي.
يمسك الصحف… يقلب الصفحات… يقرأ الأخبار… لكنه لا يبحث عن العالم… بل عنهم.
وفي كل مرة… يجدهم.
القاضي الذي يُذكر اسمه باحترام في المحاكم…
الجنرال الذي يتحدث عنه الناس بفخر…
رجل الأعمال الذي تُوقّع باسمه صفقات بملايين…
الكاهن الذي يجد فيه الناس السكينة…
والطبيب الذي يُنقذ حياة الآخرين…
أبناؤه.
خمسة أسماء… تملأ العالم… لكن لا أحد منها يناديه «أبي».
كانوا هناك… في كل مكان…
لكن ليس معه.
يحاول أحيانًا أن يقترب… أن يذهب إلى مكان عام قد يظهر فيه أحدهم… يقف بعيدًا… يراقب… يختبئ بين الناس…
يرى أحدهم يمر… أو يسمع اسمه يُذكر…
لكن قدماه تتجمدان.
لا يستطيع التقدم خطوة.
لأنه يعلم… أنه لم يعد يملك هذا الحق.
لم يعد يملك حق الاقتراب…
ولا حق الحديث…
ولا حتى حق النظر مباشرة…
صار وجوده بالنسبة لهم… صفحة أُغلقت.
وفي كل مرة يرى نجاحهم… يشعر بشيء ينكسر داخله أكثر.
ليس لأنه يغار منهم… بل لأنه يرى الحقيقة كاملة أمامه… حقيقة لم يكن يريد أن يراها في الماضي.
لم يكن الألم في فقره…
ولا في مرضه…
ولا في وحدته القاتلة…
بل في الإدراك.
الإدراك المتأخر.
أن كل شيء كان بين يديه… ثم تركه بيده.
أن البيت الذي هرب منه… كان يمكن أن يكون وطنه.
أن الأصوات
التي أزعجته يومًا… كانت يمكن أن تكون مصدر سعادته.
أن الأيادي الصغيرة التي اعتبرها عبئًا… كانت يمكن أن تكون هي من تسنده حين يسقط.
جلس ذات يوم أمام المرآة… نظر إلى وجهه… تجاعيد كثيرة… عيون متعبة… ملامح رجل لم يعد يعرف نفسه.
سأل نفسه بصوت خافت:
«ماذا لو…؟»
ماذا لو لم يرحل؟
ماذا لو بقي تلك الليلة؟
ماذا لو أخذ نفسًا عميقًا… وتحمل… وصبر… وحاول؟
تخيل المشهد…
أطفاله يكبرون أمامه…
ينادونه «أبي» كل يوم…
يجلس معهم على نفس الطاولة…
يشاهد نجاحهم… وهو جزء منه…
لكنه فتح عينيه… وعاد إلى الواقع.
واقع لا يحتوي على «ماذا لو».
فقط يحتوي على «لقد فعلت».
لقد رحل.
لقد تركهم.
لقد اختار نفسه… وخسر كل شيء.
ومنذ ذلك اليوم… لم يعد الزمن بالنسبة له أيامًا أو شهورًا…
بل أصبح سلسلة من الذكريات التي تعيد نفسها كل ليلة.
كان يستلقي على سريره… يحدق في السقف… ويستمع لصوت الصمت…
لكن في داخله… لم يكن هناك صمت.
كان هناك بكاء أطفال…
صوت امرأة تتوسل…
باب يُغلق…
وخطوات رجل يرحل دون أن يلتفت…
نفس المشهد… يتكرر… بلا نهاية.
وسيظل يتكرر…
لأن بعض الأخطاء… لا تُمحى.
وبعض الفرص… لا تعود.
وسيظل يحمل هذا الندم… لا لأيام… ولا لسنوات…
بل لما تبقى من عمره.
ندم رجل… لم يفهم قيمة ما كان يملك…
إلا حين فقده
إلى الأبد.
ندم رجل… لم يخسر المال… ولا الصحة…
بل خسر ما هو أعظم من ذلك كله…
خسر عائلته.
وخسر نفسه معها.
وأدرك… متأخرًا جدًا…
أن بعض «اللعنات» التي نهرب منها…
تكون في الحقيقة… أعظم النِّعَم.








