Uncategorized

تجاهل كل وريثات مدريد…

تحت السماء المخملية السوداء لمدريد حيث بدت النجوم كأنها تنافس أضواء المدينة الاصطناعية بخجل كان قصر الكريستال لعائلة ميندوزا ينهض كأنه نصب للوحدة متخف في هيئة فخامة. كانت ليلة الخامس عشر من مارس تاريخا معلما بالأحمر في تقويم المجتمع الإسباني الراقي لا بسبب حماسة دينية بل بسبب طقوس المال والسلطة. كان الهواء يفوح بياسمين الشتاء وتختلط به تلك الرائحة المعدنية الباردة التي تنبعث من سيارات الرفاهية المصطفة فوق الحصى.

في الداخل كانت الصالونات محيطا من الذهب. ثريات لا غرانخا الكريستالية الهائلة والثقيلة كأنها تاريخ العائلة ذاته كانت تقذف آلاف الشظايا الضوئية على أرضيات رخام ماكائيل. وكانت فرقة موسيقى الحجرة غير المرئية خلف حاجز من الزهور الغريبة تنسج أجواء فالس فيينا وكأنها مخدر يسكن الضمير. هناك كانت نخبة النخبة في العاصمة وريثات ترتدي كل واحدة منهن فستانا يساوي أكثر من رهن عقاري وأباطرة اقتصاد يقررون مصائر آلاف الموظفين بتوقيع واحد وأرستقراطيون لا عمل لهم سوى حفظ لمعان ألقابهم.

مقالات ذات صلة

وفي مركز ذلك المسرح كله أو بالأحرى في هامشه الأبعد والأشد مناعة كان دييغو ميندوزا.

في الخامسة والثلاثين كان دييغو أسطورة حية وفي الوقت نفسه شبحا. وريث الإمبراطورية المالية ميندوزا كابيتال بثروة شخصية تقدر بملياري

يورو كان الرجل الأكثر طلبا في شبه الجزيرة. كانت هيئته لا تشوبها شائبة سموكين مفصل على يد أكثر خياطي لندن حصرية يلتف حول قامته الرياضية بدقة مليمترية. وأزرار أكمامه البلاتينية إرث عن جده الأكبر تلمع بوقار. غير أن عينيهبلون رمادي عاصف عميقكانتا ترويان الحقيقة. كانتا عيني رجل رأى أكثر مما ينبغي وشعر أقل مما ينبغي طوال العقدين الأخيرين.

كان دييغو يتنقل بين الضيوف بأناقة جليدية. يقبل التحايا بإيماءات قصيرة ويتحمل التملق بصبر مدرب ويرد الإيحاءات بحاجز غير مرئي لكنه لا يخترق. ومضت السهرة كما مضت كل سهراته في العشرين عاما الماضية موكب لا ينتهي من المرشحات تقدمهن أمهات متلهفات وآباء حاسبون.

هناك كانت بالوما فاثكيز ابنة ملك النسيج ملفوفة بالحرير البري تضحك بصوت أعلى من اللازم أملا في أن يلتقط دييغو ذلك الصوت. وهناك لوسيا مارتين عارضة اللحظة تتخذ وضعيات التصوير حتى حين لا يلتقطها أحد بحلي مستعارة تساوي الملايين. وهناك إسبيرانثا دي بوربون بابتسامة متقنة تدربت عليها أمام المرآة تحسب مكاسب مزج ألقابها النبيلة بحساب ميندوزا البنكي.

بالنسبة إلى دييغو كن جميعا قابلات للاستبدال. لا قسوة منه بل لأن قلبه صار أرضا محروقة قبل عشرين عاما. مأساة شبابه ظلت حية تنبض تحت جلده كجرح يرفض أن يلتئم. كانت ذكراه

عن إسبيرانثا الأولىلا الأرستقراطية بل ابنة مدبرة المنزل الفتاة ذات الضحكة السهلة واليدين الدافئتينتطارده. هي وحدها أحبته حين كان دييغو فحسب الطفل الوحيد في القصر لا الوريث. والحادث الذي خطفها ليلة عيد ميلاده الثامن عشر أمام قضبان تلك الضيعة نفسها جمد الزمن لديه.

سيأتي يوم تجد فيه من سيحبك كما أحببتك أنا كانت قد همست له في أنفاسها الأخيرة بينما كانت الحياة تنفلت من بين أصابع دييغو لكن عليك أن تعرف كيف تراها. الحب الحقيقي أحيانا يأتي مرتديا ثوبا لا تتوقعه.

كانت تلك الوعد وحده ما أبقاه قائما وإن كان الأمل قد ذاب مع السنوات إلى سخرية مريرة. كان دييغو يحضر تلك الحفلات أداء للواجب يتمم دوره ثم حين تنطفئ الأضواء يقود وحده إلى مقبرة لا ألمودينا ليضع زهور الأوركيد البيضاء على شاهد قبر بارد. تلك كانت حياته الحقيقية وما سواها ليس إلا ضجيجا.

قرب العاشرة والنصف ليلا صار الجو في القاعة أثقل. بدأ الكحول والطموح يسقطان الأقنعة ويرخيان القيود. كان دييغو يحمل كأس دوم بيرينيون لم يمسه فلجأ إلى درابزين الشرفة المطلة على الحدائق. كان يحتاج هواء. كان يحتاج صمتا. كان يتأمل انعكاس القمر في النافورة المركزية حين لفت نظره تحرك غير مألوف عند طرف الصالون.

لم يكن دخولا ظافرا من الباب الرئيسي بل شيئا أكثر خفاء

شبه متسلل قرب منطقة الخدمة. دخلت كارمن لوبيز رئيسة طاقم التنظيف امرأة في الثانية والخمسين مطبوعة الكرامة في تجاعيد جبينها. لم يكن ينبغي لها أن تكون هناك فقواعد لا مرئية الخدمة كانت صارمة. لكن تلك الليلة حرك القدر خيوطه ليحدث نقص في العاملين فاضطرت كارمن للاستعانة بمساعدة خارجية طارئة.

وبجانبها كانت تسير شابة.

ضيق دييغو عينيه. كانت ترتدي الزي الأسود ومئزر الخدمة الأبيض الناصع. شعرها البني الطويل اللامع كان مرفوعا في كعكة صارمة ومع ذلك لم تستطع إخفاء تمرد بعض الخصلات المنسدلة على عنقها. كانت صوفيا ابنة كارمن. تذكر دييغو على نحو غامض أنه سمع أن ابنة المشرفة تدرس في الجامعة لكنه لم يرها قط أو ربما لم ينظر إليها يوما.

صوفيا لوبيز في الرابعة والعشرين حاصلة على شهادة في الفنون الجميلة وطموحها أن تصبح مرممة أعمال فنية كانت تتحرك في القاعة بصينية فضية محملة بكؤوس فارغة. لم تمش بخضوع متوقع من موقعها ولا بغطرسة المدعوات. كانت تتحرك بسلاسة طبيعية ورشاقة فطرية تجعلها تبدو كأنها تطفو فوق الرخام.

من عليته أحس دييغو بشيء غريب. وخزة. لم تكن انجذابا جسديا فقط رغم أن جمال الشابة لا ينكر ببشرتها الذهبية وعينيها العسليتين المملوءتين ذكاء حيا. كان شيئا آخر. كانت هالتها. وسط بحر من الأقنعة والزينة المصطنعة

متابعة القراءة

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى