عام

لغز الدكتور

لم يكن مجرد طبيب. لم يكن فقط شابا يرتدي البالطو الأبيض ويجول بين غرف العمليات لعلاج القلوب. كان قلبا نابضا بالإنسانية يفيض حنانا يضمد آلام الآخرين قبل أن يفكر في نفسه. وفي لحظة غير متوقعة خذلته الحياة وسقط هو نفسه ضىحية للقلب الذي أمضى حياته في إنقاذه.

 

مقالات ذات صلة

في صباح يوم الجمعة بينما كانت شوارع القاهرة تستيقظ بهدوء دوى خبر كالصاعقة رحيل الطبيب الشاب أحمد ماهر منصور أخصائي جىراحة القلب إثر أزىمة قلبية مفاجئة.
شاب في الثلاثينيات من عمره في عز عطائه وبينما كان ينقذ الأرواح لفظ أنفاسه الأخيرة بعد ساعات من العمليات الشىاقة. الحدث لم يمر مرور الكرام بل أشعىل مواقع التواصل وأبكى الآلاف من المصريين خصوصا أنه كان يستعد لزفافه ولم يكن لوالدته سواه بعد أن فقدت ابنتها بنفس المرض قبل سنوات.

من هو الدكتور أحمد ماهر منصور
هو أحمد ماهر منصور طبيب مصري شاب تخرج من كلية الطب بجامعة القاهرة وكان من الأوائل المتفوقين. اختار التخصص في مجال جىراحة القلب لأنه كان يرى أن القلب هو مركز الحياة وكان حلمه أن يعيد النبض لمن توقفت قلوبهم عن الأمل.
كان يعمل

في مستشفى معهد ناصر بالقاهرة أحد أكبر المراكز الطبية المتخصصة وكان ضمن فريق جىراحة القلب الذي ينفذ أصعب العمليات وأكثرها تعقيدا.
زملاؤه يصفونه بأنه كان ملاكا في هيئة طبيب لا يعرف الكسل لا يغضب لا يتأخر دائم الابتسامة وعينه دائما على المرضى حتى بعد انتهاء دوامه.

تفاصيل الساعات الأخيرة
في صباح ذلك اليوم الحزين حضر الدكتور أحمد إلى المستشفى كعادته. كان متحمسا لإنهاء العمليات المدرجة في جدوله وكان يخطط للخروج مبكرا للانتهاء من ترتيبات خطوبته.
دخل غرفة العمليات وأجرى 3 عمليات جراحية معقدة على مدار أكثر من 5 ساعات متواصلة دون أن يأخذ استراحة حقيقية. لم يتناول سوى بعض الماء ورفض أن يترك أي حالة معلقة.

بعد العملية الأخيرة بدأ يشعر بإرهاق غير معتاد. كان وجهه شاحبا لكنه لم يشتك. ذهب لغسل وجهه بالماء وما إن انحنى قليلا حتى ىىىقط مغشيا عليه أمام زملائه
اللحظة التي ىىىقط فيها الدكتور أحمد كانت لحظة انهيار حقيقية لكل من حوله. لم يتخيل أحد أن الطبيب الذي أنهى قبل دقائق عملية دقيقة لقلب مريض سيكون هو التالي.
الأطباء هرعوا إليه بسرعة. لم ينتظروا وصول الطوارئ بل بدأوا على الفور في محاولات إنعاش القلب CPR التي استمرت ساعة كاملة دون توقف.

لكن كل النبضات كانت ترفض العودة وكأن القلب الذي تعب كثيرا قرر أن يرحل بصمت.
في تلك اللحظة غابت الفواصل بين الطبيب والمريض. صار زملاؤه الذين تعودوا أن يراهم واقفين بجانبه في غرفة العمليات هم الآن من يتوسلون لجسده أن يعود أن يفتح عينيه أن يبتسم ابتسامته التي اعتادوا عليها.
لكن الروح اختارت أن تصعد.
واختارت الرحيل من ذات المكان الذي عاش فيه. بين المرضى. وبين زملائه.

وبين الجدران التي شهدت إنجازاته.
وبعد ساعة من المحاولات أعلن الأطباء وقاته رسميا في مشهد خيم عليه الحزن والذهول.
الصمت عم المستشفى. حتى المرضى شعروا بالخبر. وانهارت ممرضات القسم بالبكاء. لم يكن الدكتور أحمد مجرد زميل عمل بل كان بمثابة أخ وصديق وأمل للمرضى.
خرجت جملة واحدة من أحد الأطباء
كنا بنسابق الزمن علشان نلحق حياة مريض فجأة لقينا نفسنا بنسابق الموت علشان ننقذ زميلنا.. وخسرنا المعركة.
لم يصدق أحد في معهد ناصر الخبر في البداية. ظنوا أنها مجرد وعكة صحية أو إجهاد عابر نتيجة العمليات الطويلة. لكن مع تأكيد الوفاة رسميا تحول الخبر إلى فاجــ,عة حقيقية داخل الوسط الطبي في مصر.

أطباء وممرضون وموظفون وحتى مرضى كانوا يترددون عليه الجميع دخلوا في حالة حزن وذهول. البعض جلس على الأرض البعض بكى دون توقف حتى بعض المرضى أصروا على حضور جنازته رغم حالتهم الصحية.
كتب أحد زملائه على صفحته الشخصية

كان دايما بيقول لنا أهم حاجة تحبوا الشغل علشان ربنا هيكرمكم… بس هو اللي اتكرم في النهاية.. وراح وهو بيخدم الناس زي دايما.
بعد دقائق من انتشار الخبر على مواقع التواصل أصدرت وزارة الصحة المصرية بيانا رسميا جاء فيه
ينعي الأستاذ الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان الطبيب الشاب الدكتور أحمد ماهر منصور أخصائي جراحة القلب والذي وافته المنية أثناء تأدية عمله في خدمة المرضى بمستشفى معهد ناصر.

ويؤكد الوزير أن الطبيب الشاب كان مثالا مشرفا لطبيب مخلص ومتفان في أداء واجبه ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أهله الصبر والسلوان.
وقد تفاعل آلاف المصريين مع بيان الوزارة معبرين عن تقديرهم لكل طبيب مخلص مثل الدكتور أحمد الذي مات وهو يؤدي
رسالته.
القصة تزداد ألما. فبحسب أصدقاء الدكتور أحمد فإن هذه ليست المرة الأولى التي تتلقى أسرته صدمة مأساوية بسبب القلب.

شقيقته الوحيدة التي كان يرتبط بها بشدة توفيت قبل عدة سنوات وهي في العشرينيات من عمرها بعد أن تعرضت لأزمة قلبية مفاجئة أيضا رغم أنها لم تكن تعاني من أمراض مزمنة.
وكان هذا الحدث هو ما دفعه لاختيار مجال القلب لأنه كان يؤمن أن إنقاذ القلوب أمانة وكان دائما ما يقول
نفسي مفيش حد يفقد حد بيحبه بسبب قلبه زي ما أنا فقدت أختي.

لكنه لم يكن يعلم أن النهاية ستتشابه وأنه سيلحق بها بنفس الطريقة.
واحدة من أكثر التفاصيل التي أبكت رواد مواقع التواصل أن الدكتور أحمد كان يستعد للزواج خلال أسابيع قليلة.
كان قد انتهى مؤخرا من تجهيز شقته الجديدة واشترى بدلة الزفاف وكان يخبر زملاءه كل يوم أن الفرحة قربت.
لكن الفرحة لم تكتمل بل تحولت إلى عزاء. وتحولت التهاني إلى دموع وتحولت الدعوات إلى دعاء بالرحمة والمغفرة.
خطوبته كانت على فتاة من خارج المجال الطبي وكانت تفتخر دائما به وتقول

خطيبي بيصلح القلوب… وهو أطيب قلب شفته في حياتي.
ما إن انتشر خبر الوفاة حتى تحولت صفحات الأطباء وزملائه على فيسبوك إلى دفتر عزاء. كتب أحد أصدقائه
كنت بتفاجأ كل يوم إنك بتخلص شغلك وتزور مريض مايعرفكش بس جالك من بوست على الفيس كنت بتمد إيدك للناس بكل حب ربنا يرحمك يا صاحب أنظف قلب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى