
حين كان الفجر ما يزال وعدا خلف الضباب نزلت هيلينا من العربة وهي تضم إلى صدرها كيسا قماشيا. في داخله ثوبان ومعطف قديم وعمر كامل من الصمت. لم يرافقها أحد إلى مدخل المزرعة. لم يعدل أحد شعرها ولم يقل لها أحد احذري. تركت أمها رسالة قصيرة يابسة كأنها تسلم حملا هي هذه. تصلح للأعمال الشاقة. خذوها.
-
مفاجأة جديدة في قصة بسنت سليمانمنذ يوم واحد
-
الصامت على موائدنامنذ 3 أيام
-
ابوها قدام جوزهامنذ 3 أيام
-
ذات التاسعة والثلاثين عامًامنذ 3 أيام
هكذا كانت الحياة في ذلك الزمن من أزمنة السرتاو حين كان الوجه أثمن من القلب. في فيلا براڤورا كانت العائلات تحرس الجمال كأنه ميراث وتحمي البنات الجميلات من الشمس والكد كأن العرق قد يفسد مستقبلهن. أما الأخريات فكن يرسلن حيث لا يرغب أحد في النظر. كانت هيلينا تعرف جيدا الموضع الذي وضعها فيه العالم موضع الزائدة التي لا تلفت والتي إن غابت لا يسأل عنها أحد.
ظهرت مزرعة مونتس في آخر الطريق كأنها بلد مستقل بيت كبير وحظائر ومرعى لا ينتهي ومخزن قديم ملاصق للإسطبل من
خشب داكن ورائحة تبن. إلى هناك أرسلت هيلينا لتنظيف المخزن كأن قدرها أن تكنس حياة الآخرين.
استقبلها سيفيرينو القيم بنظرة سريعة وسؤال بلا مودة ولا سخرية
أأنت الجديدة في الخدمة
نعم سيدي جئت لتنظيف المخزن قالت بخفوت دون أن ترفع عينيها كثيرا.
ابدئي من الداخل. المالك يصل اليوم. ليكن كل شيء مرتبا.
دخلت هيلينا المخزن واستنشقت بعمق. ملأت رائحة التبن حلقها لكن ما أصابها أكثر كان شيء آخر الصمت. صمت مختلف عن صمت بيتها حيث كان الصمت عقابا وازدراء. هنا كان سكونا فحسب. لا أحد يقيمها في
كل لحظة ولا أحد ينتظر عثرتها ليشير. للمرة الأولى ولو داخل مخزن شعرت أنها موجودة بلا مقياس.
عملت تلك الصبيحة حتى احترقت ذراعاها. وحين أخذت الشمس تميل سمعت خطوات ثابتة عند المدخل. لم تلتفت فورا اعتادت أن تصغر حين يصل المهمون.
هيلينا سأل صوت رجولي شاب لكنه قاس كالأرض اليابسة.
التفتت ببطء قابضة على المكنسة بكلتا يديها.
نعم سيدي. أنا هي.
كان كايو مونتس واقفا عند الباب. صاحب المزرعة ابن عائلة عريقة محترم ومهيب بحزمه. جسده موسوم بالشمس ونظرته نظرة من يأمر بلا صراخ. انتظرت هيلينا الحكم المعتاد إيماءة اشمئزاز أو عبارة تعيدها إلى مكانها. لكن كايو نظر إليها على نحو آخر لا كمن يرى وجها بل كمن يحاول قراءة ما أخفته الحياة.
ماذا قالوا لك أيضا سأل.
أن أعمل ولا أشتكي أجابت كمن يردد قاعدة قديمة.
قطب كايو جبينه.
هنا لا يأتي أحد ليعيش منحنيا. العمل موجود والاحترام كذلك. هل فهمت
تأخرت هيلينا لحظة بدت كلمة احترام غريبة.
لست معتادة على الاحترام اعترفت لكنني سأحاول.
علقت تلك الجملة في صدر كايو. غير معتادة على الاحترام كأن الاحترام ترف لغيرها.
أول تحول في حياتها بالمزرعة لم يكن عناقا ولا وعدا بل قرارا عمليا. في الليلة الثانية رأى كايو ضوءا واهنا يرتعش داخل المخزن فدخل. وجد هيلينا جالسة على الأرض تخيط قطعة قماش كأنها تصنع وسادة.
أتنامين هنا سأل بصرامة توحي بالغضب.
هذا ما أمرت به وقد اعتدت.
اعتدت النوم على الأرض
ابتلعت هيلينا ريقها.
اعتدت ألا يكون لي خيار.
تنفس كايو بعمق.
غدا يجهز لك غرفة قرب المطبخ. لن تنامي في البرد بعد اليوم.
لكنني لا أريد أن أسبب إزعاجا
الإزعاج أن يترك إنسان على الأرض قاطعها. انتهى.
خفضت هيلينا نظرها لم تعرف كيف تشكر. فالشكر ينبت حيث وجد رعاية وهي لم ترع يوما. في الصباح كانت غرفة بسيطة بانتظارها سرير غطاء جرة ماء ونافذة صغيرة. وقفت طويلا تحدق في الفراش كأنه شيء مقدس. لم تكن سعادة بعد كان ارتياحا أول إشارة إلى أن وجودها قد يهم.
مرت الأيام وبقيت هيلينا صامتة لا كبرياء بل عادة. سمعت همسا في المطبخ وشعرت بنظرات في الساحة. هي القبيحة التي أرسلت قالوا بلا قول. وذات يوم تجرأت امرأتان قرب الحظيرة
يقولون إن العائلة سلمتها لأن لا أحد يريدها.
وبهذا الوجه من يريدها
مضت هيلينا كأنها لم تسمع. لكن كايو على بعد خطوات سمع. ولم يسكت. اقترب دون رفع صوته بحزم يغلق الأفواه
في هذه المزرعة لا نقاس الناس بوجوههم. من جاءت للنميمة فلتعد إلى بيتها. هنا يبقى من يعمل ويحترم.
غادرتا محمرتين. لم تبك هيلينا لكن صدرها ارتجف. لم يدافع عنها أحد هكذا من قبل لا شفقة بل عدلا.
في تلك الظهيرة وجدها كايو تنظف الأدوات.
لا تحملي كلماتهم على ظهرك قال.








