عام

تمن الغربة لمحمد نور

3

تمن الغربة لمحمد نور

مقالات ذات صلة

ثم ضغطتُ على زر التشغيل في هاتفي. وقبل أن ينتهي مقطع الفيديو الأول، أدركت أمي أن الحقيقة الكاملة قد بدأت تطفو على السطح.

على الشاشة المضيئة، ظهرت شهد وهي تضحك باهستيريا بينما كانت مريم، الشاحبة والتي ترتعد بوضوح، تكافح لحمل صينية ثقيلة. ثم تردد صوت أمي الواضح في أرجاء الغرفة: «إذا أُغمي عليها مجدداً، اتركوها مستلقية في الفناء… إنها دائماً ما تصنع دراما واستعراضاً كلما جاءنا ضيوف!»

كان الصمت الثقيل الذي خيّم على غرفة المعيشة أشد صخباً من أي صرخة غضب.

حاولت شهد الاندفاع للأمام لانتزاع الهاتف من يدي، لكن أحد أفراد الشرطة تدخل بسرعة ليمعنها. نظرت أمي بذعر إلى المحامي ثم إلى الموثّق، محاولةً البحث بأسى عن أي ثغرة قانونية للهروب من الموقف.

قالت أمي وهي تدافع عن نفسها بصرخات: «ذلك التسجيل لا يثبت أن الأموال كانت لك في الأصل! لقد أرسلتَ تلك الأموال لأنك ابن بار، وبمجرد إيداعها، أصبحت تابعة لي قانونياً!»

أخرجتُ بكل هدوء إيصالات التحويلات البنكية الدولية لأربع سنوات كاملة، وقسائم راتبي الرسمية، والمحادثات النصية التي وعدتني فيها صراحة بإدارة أموالي لبناء بيتي، والرسائل التي طمأنتني فيها بأن مريم تتلقى الرعاية المناسبة.

ثم وضعتُ ورقة صغيرة مطوية أمامها مباشرة على الطاولة… كانت إيصال البيع الأصلي من المتجر المحلي الذي اشترى شعر زوجتي مقابل مئة وخمسين دولاراً.

قلتُ لها بنبرة حادة وباردة: «بينما كنتِ تكتنزين أكثر من سبعين ألف دولار في حسابات استثمارية خاصة، باعت مريم شعرها لمجرد سداد تكاليف فحوصات السرطان… هل ستدّعين أن شعرها كان هدية لكِ أيضاً؟»

نظرت أمي إلى الأرض لثوانٍ معدودة قبل أن يتصلب وجهها مجدداً، وقالت بمرارة: «لقد كانت دائماً امرأة ضعيفة! فضلاً عن ذلك، أنت ابني من أحشائي، وأمك يجب أن تأتي أولاً دائماً!»

جاوبتها بثبات: «كونكِ أمي لم يمنحكِ يوماً الحق القانوني أو الأخلاقي لترك زوجتي تموت ببطء».

أطلقت شهد ضحكة حادة ومؤذية وقالت بأسلوب درامي: «أنت لا تعرف حتى ما إذا كانت مريضة حقاً! ربما تلاعبت بك بقصص وهمية فقط لتسرق كل شيء لنفسها!»

فتح محاميَّ على الفور الملف الطبي الرسمي، كاشفاً عن صور الأشعة التشخيصية، والفحوصات النسيجية، وسجلات النقص الحاد في الوزن، والتوصيات  العاجلة. كما قدم بلاغاً جنائياً رسمياً كانت مريم قد قدمته بشأن التهديدات، وتقييد الاتصالات، والإساءة النفسية، والإهمال الطبي المتعمد.

تحول وجه أمي إلى البياض التام، وهمست بعدم تصدق: «بلاغ رسمي لدى الشرطة؟ ضد عائلتك وأهلك؟»

أجبتها مباشرة: «عائلتي الحقيقية هي المرأة التي انتظرتني بوفاء لأربع سنوات طويلة… أما أنتم فقد استخدمتم صلة الدم مجرد رخصة مجانية لسرقة جهدي وإهانة زوجتي».

عندما رأت أمي أن دفاعها ينهار، غيرت تكتيكها فجأة؛  على ركبتيها وبدأت تبكي بصوت عالٍ وأمسكت بكلتا يدي.

توسلت أمي وهي تبكي: «يا جاسم، يا بني العزيز، أردتُ فقط تأمين مستقبل شهد! الفتاة الشابة بحاجة إلى أصول مالية قوية حتى يحترمها زوجها بعد الزواج، لكنك رجل قوي ويمكنك العودة للعمل وكسب المزيد من المال بسهولة!»

تلك الجملة المسمومة دمرت ما تبقى من عاطفة في قلبي.

لقد قضيت أربع سنوات أنام في كرفانات ضيقة مع ستة عمال آخرين، وأعمل وأنا أعاني من الحمى العالية، وأرتدي أحذية متهالكة لتوفير المال، وأقضي العطلات وحيداً أمتص غربتي عبر شاشة الهاتف. بالنسبة لأمي، كان كل ذلك التضحية المؤلمة يمكن تكراره ببساطة لأنني “رجل”، بينما كان عرقي بالنسبة لشهد مجرد بطاقة ائتمان بلا حدود!

قلتُ بوضوح: «لم آخذ أي شيء كان يخصكنّ يوماً. هذا البيت بُني بالكامل من كسبي، والاستثمارات جاءت مباشرة من اقتطاعات رواتبي، وقد وقّعتنّ استمارات التنازل بطيب خاطر لأنكن طمعتنّ بأربعمئة ألف دولار إضافية».

بدأت شهد تبكي بدموع حقيقية من الهلع: «حفل زفافي وموعد زواجي بعد أقل من شهر! ماذا أقول لـ طارق الآن وهو ينتظر هذا البيت كجزء من المهر والشروط؟»

أجبتها دون تردد: «قولي له الحقيقة الكاتمة… قولي له إنكِ ادّعيتِ ملكية ثروة كسبها أخوكِ بعرق جبينه بينما تركتِ زوجة أخيكِ المريضة تتضور جوعاً ودون رعاية طبية».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى