عام

البيت ليس لي حكايات منى السيد

4

البيت ليس لي حكايات منى السيد

زي الفل، مش محتاجين مساعدة من حد.

حماتي بصتلي پغضب وهي بتجز على سنانها، وقالت بصوت

إنتي لسه لسانك طويل يا داليا؟ دي أم محمد جارتنا وبتساعدنا في الخير، وانتي مالك زعلانة ليه؟ هو إحنا جايين نعمل عيب ولا جايين نخدمكم؟

الست اللي اسمها أم محمد بصتلي بنظرات كلها فضول وتقليل، وقالت

الله يهديها يا أم أحمد.. العروسة بتبقى لسه مكسوفة ومش فاهمة الأصول، سيبك منها وتعالي نوريني في المطبخ نفتح كده الدولاب ونشوف محتاج إيه.

هنا حسيت إن الصبر خلص، وإن لو سكتت النهاردة، مش هعرف أعيش في البيت ده بكرة.

مشيت خطوتين لحد ما بقيت في وش أم محمد وقالت لها بصوت حاد وقاطع

يا أم محمد.. الشقة دي مش بيت عزاب عشان

أي حد يدخل يفتح دواليبها براحته، ودي مراتي وديتي، ولو سمحتي اتفضلي اطلعي بره لحد ما جوزي يرجع، ومفيش دخول لا للمطبخ ولا لغيره!

أم محمد فتحت بقها من الصدمة، وبصت لحماتي اللي وشها اتقلب للون الأزرق من كتر الغيظ والجنون، وقالت بصوت مبحوح وبتصرخ في وشي

إنتي بتطردي ضيوفي من بيتي يا قليلة الأدب؟! بتعلي صوتك على جارتي وأنا واقفة؟ طب والله لكون مطلعة التليفون دلوقتي وخابرة أحمد ييجي يشوف مراته قليلة الأصل عملت إيه!

طلعت تليفونها بسرعة وبدأت ترن عليه، وأنا واقفة مكاني ولا اهتزيت ولا خفت.. بالعكس، كنت حاسة إن أخيرًا الستارة سقطت ومبقاش فيه أي داعي للمجاملة الكدابة.

بعد دقايق، سمعت صوت باب  بينفتح بقوة، ودخل أحمد عيونه حمراء ووشه مليان ڠضب أعمى، وبص ليا بصات تخلّي أي قلب يرتعش، وقال بصوت عالي رتج  كلها

إنتي عملتي إيه تاني يا داليا؟!

الفصل الأخير نقطة لا رجعة فيها

دخل أحمد وعيونه مليانة شړ، كأنه جاي يخلص على عدو مش على مراته. لسه هيتكلم، لقت حماتي مسكت فيه وبدأت تمثل الدور ببراعة شديدة، وتنزل دمعتين كدابين على خدها وقالت بصوت

مكسور ومبحوح

شايف يا ابني مراتك عملت إ جاية تطرد جارتنا أم محمد من البيت وتقولي بره.. دي مش محسسانا إننا أهل في البيت ده، دي عايزة  منا وتطردني أنا شخصياً من شقتي!

أم محمد دخلت في الموضوع هي كمان عشان تولعها أكتر، وقالت بتمسكن مصطنع

حقك على راسي يا أم أحمد.. العروسة الجديدة شكلها لسه متعلمتش الأصول ولا احترام الكبار، ربنا يكون في عونك يا ابني على اللي بتشوفه.

بصيت لهم الاتنين ببرود تام، وضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر والمهزلة اللي أنا فيها، وبعدين بصيت لأحمد وقلت بصوت هادئ وثابت

خلصتوا تمثيل؟ طب اسمعني بقى يا أحمد يا ابن أمك.. لأن دي آخر مرة هتسمعني فيها في البيت ده. أمك جابت الست دي ودخلت بيها من غير ما تستأذن، وفاتحة الشقة كأنها لوكاندة، وكل شوية ټقتحم خصوصيتنا. أنا استحملت كتير، بس للژبالة حدود، وللأعصاب طاقة!

أحمد جن جنونه، ورفع إيده في الهوا وقال بصوت رتج جدران الشقة كلها

آخرة قلة أدبك دي هي الطرد! انتي فاكرة نفسك قاعدة فين؟ بيت أهلك؟ البيت ده بتاعي، ولو مش عاجبك الوضع، اقلعي دبلتك وروحي على بيت أبوكي، لأن الاشكال اللي زيك ما ينفعش تقعد معايا دقيقة واحدة!

الكلمة نزلت على وداني، بس المرة دي مش كصاعقة.. بالعكس، حسيت إنها طوق نجاة. الجملة اللي كنت بخاف منها طول الشهور اللي فاتت، اتقالت بكل سهولة، وساعتها حسيت إن السلسلة اللي كانت مكتفة رقبتي اتقطعت.

بصيت له بعين ناشفة ومفيهاش دمعة واحدة، وقلت بصوت واثق

تصدق؟ ريحتني.. ريحتني جداً يا أحمد. كنت باينة على

عيني أستحمل وأعدي عشان أقول بيت وعمارة وجواز، بس طلع مكان لا فيه أمان ولا كرامة. ومتقلقش.. مش هستنى لما تقولها تاني، انا مسافرة دلوقتي حالاً.

دخلت الأوضة بسرعة، فتحت الدولاب وطلعت شنطة السفر الكبيرة. رميت فيها هدومي بسرعة البرق، ومسكت دهبي وكل متعلقاتي الشخصية وحطيتها

في الشنطة. حماتي كانت واقفة على باب  هي وأم محمد متابعين الموقف پشماتة وسعادة ظاهرة على وشوشهم، وكأنهم كسبوا معركة تاريخية.

أم أحمد قالت بسخرية مسمۏمة

أهي ماشية برجلها.. أحسن، عشان تعرفي إن الله حق، وإن  دي ليها سيدات تانية غيرك.

ما ردتش عليها بحرف واحد. قفلت الشنطة، وطلعت للصالة، ووقفت قدام أحمد اللي كان واقف مكتوف الأيدي وبيبصلي بغرور، وطلعت دبلته من إيدي ورميتها على الترابيزة قدامه وقلت

خد دبلتك.. ومبروك عليك أمك . اشبعوا ببعض.

سيبتهم ونزلت.. نزلت سلم العمارة وأنا حاسه إن وزني قل عشرين كيلو. الهواء الشارع خبط في وشي، حسيت بطعم الحرية لأول مرة من يوم ما دخلت القفص ده. طلعت تليفوني، وكلمت أخويا الكبير بصوت ثابت

تعال خدني يا محمد.. أنا راجعة بيت بابا نهائي.

أخويا جه بعد نص ساعة، وعيونه كانت مليانة ڠضب وقهر لما شافني بالشنطة. فهم الحكاية من نظرة عيني، وما سألش كتير، بس خدني في عربيته وطلعنا على بيت أهلي.

أول ما دخلت بيت أبويا، ولقيت أبويا وأمي حضنوني وخففوا عني، حسيت إني رجعت روحي تاني. قعدت حكيت لهم على كل حاجة.. على ، على المفتاح اللي مع حماتي، على الباب اللي كانت تفتحه، وعلى خضوع جوزها الأعمى لأمه. أبويا طبطب على كتفي وقال كلمة واحدة فضلت علقة في وداني

حقك ما يضيعش يا بنتي، واللي ما يعرفش قدرك في بيته، ما يستاهلش دقيقة واحدة من عمرك.

مرت أسبوعين بحالهم.. أسبوعين من الهدوء والاستقرار النفسي اللي ما حسيتش بيه طول فترة جوازي. في الأسبوعين دول، أحمد ما كلفش نفسه حتى يرفع سماعة التليفون يطمن عليا، ولا كأن كنت مراته في يوم من الأيأم. كان فاكر إني راجعة أتعلم الأدب عند أهلي وهجري أرجع له أول ما يصعب عليا حالي، لكنه كان غلطان.

في اليوم الخداشر، جالنا إنذار طاعة من المحكمة!

أبويا ضحك بسخرية أول ما

شاف الورقة، وقال

ابن أمك طلع بيفكر بدماغها، فاكر إنه هيقدر يذلك بالطريقة البلدي دي.

بس اللي ما كانش أحمد ولا أمه عاملين له أي حساب.. إن قانون ربنا وقانون الدنيا أطهر بكتير من حيلهم الرخيصة. أخويا نزل معايا، ورحنا لمحامي شاطر، ورفعنا قضية خلع وطلبنا حقوقي كاملة، والأهم من كده.. إني قدمت تقارير وإثباتات وشهادة من جيران تانيين في العمارة عن  السافر  الخصوصية الدائم لبيتي من قبل حماتها اللي كانت ماسكة المفتاح كأنه  بتدير بيه حياتنا.

يوم جلسة المحكمة،

قابلت أحمد بره قاعة المحاكمة. كان شكله مبهدل، وواضح إن أمه مش مسيباه في حاله حتى في غيابي، وعيونه كانت دبلانة. أول ما شافني، قرب مني وقال بصوت منكسر شوية

ليه يا داليا وصلتي الموضوع للمحاكم والمشاكل؟ ما كنا قعدنا واتكلمنا في البيت بهدوء، ومامي مستعدة تعتذر لك وتقفل صفحة المفتاح دي.

بصيت له نظرة شفقة، وضحكت بصوت عالي وقلت له

مامي تعتذر؟ وتقفل صفحة المفتاح؟ بعد إيه يا أحمد؟ بعد ما  قلبي  في أول يوم جواز؟ افتكرت إنك راجل تفتح بيت وتحميه، بس للأسف طلعت ابن أمه اللي ما لوش أي كلمة في بيته. خسارة فيك كل دمعة نزلت عشاتك.

قربت من القاضي، ووقفت قدامه بكل ثقة، وكررت طلبي  النهائي، ورفضت أي محاولات صلح قدموها.

بعد جلسات قليلة، صدر الحكم لصالحي.. اتخلعته، ورجعت حرة، ورجعت لي كرامتي اللي كانت هتروح في داهية لو كنت فضلت دقيقة واحدة زيادة في  دي.

دلوقتي أنا قاعدة في بيتنا القديم، وسط أهلي اللي بيحبوني وبيخافوا عليا. رجعت لشغلي ولحياتي، وحسيت إن التجربة دي، مهما كانت قاسېة، كانت القلم اللي صحاني على حاجة مهمة جداً

في الجواز.. لو ما لقيتش راجل يتقي ربنا فيكِ ويحفظ سرك ويصون بيتك وخصوصيتك، يبقى بلاها جواز من أصله.. لأن البيت اللي ملوش باب يحميه من براثن التطفل، ما يستاهلش أصلاً إن الواحد يدخله.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى