
3
تالت يوم بعد أبويا بقلم صابرين محمد
-
رابط نتيجه الثانويه العامهمنذ 14 ساعة
-
رابط نتيجه الثانويه العامهمنذ 14 ساعة
-
نتيجة الثانوية العامةمنذ 15 ساعة
الكبير وهو بيقول بصوت
هو هو نفس التاريخ ونفس الاسم ونفس التوقيع.
أما الرجل الكبير، فمسك الورقة بإيدين بترتعش وفضل يبص لها ثواني طويلة، قبل ما يغمض عينيه ويقول وكأن حملًا عمره عشرات السنين نزل من فوق كتفه
الحمد لله أخيرًا لقينا وصل الدين.
أما أخويا فكان لسه واقف يبتسم باستخفاف وهو مش فاهم إن الورقة اللي قال عنها من شوية خديها دي مالهاش أي لازمة. هي نفسها الورقة اللي هتغير حياتنا كلها بعد لحظات.
بص للمحامي وقال وهو بيضحك
يعني إيه بقى؟ الورقة دي فيها كنز ولا إيه؟ أصل لو عايزين الخمسة آلاف جنيه، أهو وصل الدين قدامكم وأنا مستعد أدهالكم حالًا!
الراجل الكبير ابتسم ابتسامة هادئة وقال
إحنا مش جايين ناخد خمسة آلاف جنيه إحنا جايين نرد دين عمره خمسة وخمسين سنة.
سكت الشارع كله.
حتى الهوا كأنه وقف.
أما المحامي، ففتح شنطة الجلد اللي كانت في إيده وطلع منها ملفًا سميكًا وأخرج ورقة مختومة بختم رسمي.
وقال وهو بيبص ناحية الناس
سنة ألف وتسعمية وسبعين والد موكلي استدان من المرحوم الحاج محمود مبلغ خمسة آلاف جنيه وكتب بخط إيده وصل الدين ده.
أخويا هز كتفه وقال بملل
طيب وبعدين؟
المحامي كمل
بعدها بأيام قليلة، سافر والد موكلي وبدأ تجارة بسيطة وربنا فتحها عليه بصورة محدش كان يتخيلها من تجارة صغيرة، لشركة، لمجموعة شركات، لحد ما بقى من أكبر رجال
الأعمال.
الناس بدأت تبص لبعضها.
وأخويا لسه مش فاهم.
المحامي كمل كلامه وهو بيقلب في الأوراق
طول عمره كان يقول لأولاده أول خطوة في حياتي بدأت بالخمسة آلاف جنيه اللي استلفتهم من الحاج محمود ولولا وقفته معايا في أصعب وقت، مكنتش وصلت للي أنا فيه.
الرجل الكبير مسح دمعة نزلت من عينه وقال بصوت مخنوق
أبويا فضل طول عمره يقول لو لقيتوا الحاج محمود، أو ولاده من بعده ردوا الدين ومتنسوش الجميل.
ثم فتح المحامي ورقة تانية وقال
وقبل وفاته، كتب وصية موثقة، أوصى فيها إن لو وصل الدين الأصلي فضل محفوظ، يبقى يتم رد الدين مع مكافأة كبيرة، تقديرًا لأمانة الرجل اللي احتفظ بالورقة كل السنين دي ومطالبش بحقه.
ثم رفع عينه وقال بصوت ثابت سمعه كل اللي واقفين
وبناءً على الوصية فإن المستحق لورثة المرحوم الحاج محمود اليوم ليس خمسة آلاف جنيه وإنما مائة مليون جنيه كاملة.
الجملة نزلت على الشارع كله كأنها صاعقة شقت السما.
واحد شهق وهو حاطط إيده على قلبه.
وواحد قال بصوت متقطع
لا إله إلا الله…
والسمسار نفسه رجع خطوتين لورا وهو فاتح بقه ومش قادر يستوعب اللي سمعه.
أما أخويا…فشفت اللون بينسحب من وشه واحدة واحدة، كأنه اتسحب منه الدم كله.
بص لوصل الدين…وبص للصندوق…وبعدين بص لي أنا. وفجأة…شوفت الرعب الحقيقي في عينيه.
افتكر…افتكر إنه من أقل من خمس دقايق وقدام
أهل البلد كلهم، كان بيضحك وهو بيرمي الصندوق في حضني ويقول بمنتهى الاستهانة
خدي الصندوق بكل اللي فيه حلال عليكي الصور والورق القديم ده كله بتاعك أنا ماليش غير البيت.
بدأ يتلخبط وقرب من المحامي بسرعة وهو بيقول
استنى يا أستاذ الصندوق ده طلع من البيت والبيت ورثة يعني اللي فيه يخصنا إحنا الاتنين.
لكن السمسار رفع صوته قبل أي حد.
لا يا حسام أنا شاهد عليك إنت بنفسك قولت إن الصندوق بكل اللي فيه لأختك.
ورد عليه جارنا عم رمضان وهو بيهز راسه
وإحنا كلنا سمعناك.
وقال راجل تالت
إنت اللي قلت الورق القديم مالوش قيمة وخليته كله من حقها.
في اللحظة دي كان شيخ البلد وصل بعد ما سمع الناس بتتجمع، فسأل عن اللي حصل ولما عرف، قال بهدوء
الراجل لما يدي حاجة لحد قدام شهود ويرضى بيها، يبقى خلاص انتهى الكلام.
بدأ أخويا يتلعثم.
أنا أنا مكنتش أعرف إن الورقة دي…
قاطعه الرجل الكبير وهو يبتسم ابتسامة كلها وقار وقال
وده اللي كان أبويا متوقعه.
سكت لحظة، ثم أكمل
عشان كده أوصى إن وصل الدين الأصلي لازم يكون مع الشخص اللي احتفظ بيه، لأنه هو اللي حافظ على حق صاحبه، حتى لو من غير ما يقصد.
ثم التفت ناحيتي وقال بكل احترام
يا بنتي والدك كان راجل عظيم وعمر الجميل ما بيضيع.
مد المحامي الملف ناحيتي وقال
اتفضلي دي صورة من الوصية وإحنا جاهزين نبدأ إجراءات نقل المبلغ ليكي
تنفيذًا لرغبة والدنا.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أصدق اللي بيحصل.
بصيت ناحية البيت…
نفس البيت اللي أخويا كان مستعد يبيعه بعد ثلاثة أيام بس من دفن أبويا.
وبصيت للصندوق اللي كنت ضاماه لصدري.
وفجأة…
افتكرت آخر ليلة قضاها أبويا في الدنيا.
كان تعبان جدًا، لكن قبل ما يغمض عينه، بص للبيت كله وقال بابتسامة هادئة
يا هناء أوعي تسترخصي أي حاجة أسيبها بعدي يمكن ربنا يجعل فيها خير إنتِ متعرفيهوش.
ساعتها افتكرته بيواسيني.
لكن النهارده فهمت إنه كان بيسيب لي وصية عمر.
مكنش الخير في البيت ولا في الطوب ولا حتى في الصندوق.
كان الخير في ورقة قديمة، اصفر لونها من الزمن، لكن عمرها ما فقدت قيمتها عند ربنا.
ورقة احتفظ بيها أبويا أكثر من خمسة وخمسين سنة، لا باعها ولا قطعها ولا نسيها، لأنه كان مؤمن إن الديون لازم ترجع لأصحابها مهما طال الزمن.
أما أخويا فكان واقف قدام البيت، يبص لي مرة ويبص لوصل الدين مرة، ثم نزل على ركبتيه قدام الناس كلها وهو يبكي لأول مرة من ساعة وفاة أبويا.
لكن دموعه المرة دي مكنتش على أبويا. كانت على طمعه.
لأنه باع أخته من
أجل بيت وخسر مائة مليون جنيه بسبب ورقة كان شايف إنها لا تساوي ثمن الحبر المكتوب بيه.
وساعتها وأنا خارجة من باب البيت والصندوق بين إيديا بصيت ناحية شجرة الجميز اللي زرعها أبويا بإيده وابتسمت رغم دموعي.
وحسيت لأول مرة من يوم وفاته إن أبويا لسه واقف في مكانه بيحرس حق بنته. بقلم صابرين محمد







