
ياسين بص للولد الصغير اللي كان بيفرك في عينيه بكسل، ولقى نفسه بيتحرك ببطء ناحيته، قعد على الأرض جنب السرير المتهالك. ممدش إيده عشان يطبطب بوقار رجل أعمال، لكنه مدها بـ “لهفة” الصبي اللي كان بيستنى لحظة “الغداء” كل يوم. طلع من جيبه محفظته الجلد الغالية، فتحها، وطلع منها بس صورتهم القديمة اللي كان محتفظ بيها، ومرر إيده على وش هبة في الصورة، وبعدين بص لهبة وقال بصوت خافت: “فاكرة لما قلتلك إني هبقى غني؟ أنا كنت فاكر الغنى في الفلوس اللي بنسد بيها جوعنا، بس النهاردة وأنا داخل عليكي، حسيت إني كنت جعان طول السنين اللي فاتت دي.. جعان لحد يقبلني زي ما أنا، من غير ما يسأل في رصيدي كام.”
هبة مسحت دموعها اللي مابطلتش تنزل، وبصت للولاد اللي رجعوا يناموا تاني، وقالت بصوت واثق: “الناس فاكرة إن الفقر بياكل الروح، بس أنت أثبت إن الغنى كمان ممكن يطفيها. أنت جيت يا ياسين ومعاك كل حاجة، بس في عينك نظرة حد فقد الطريق.. أنا ماعزتش منك فلوس، أنا اللي كنت بديك الساندوتش كنت بديه لإنسان، والنهارده إنسانك ده لسه محبوس جوه البدلة اللي أنت لابسها دي.”
-
جوزي ساب الخط مفتوحمنذ 10 ساعات
-
قصة جديدةمنذ 10 ساعات
-
قبل عيد ميلادي السبعينمنذ 11 ساعة
ياسين فك الكرافتة بتاعته، رماها على الأرض، وخلع الجاكت بتاع البدلة وغطى بيه الولاد النايمين على المرتبة، ورفع عينه لهبة اللي كانت بتبص له بذهول، وقال بابتسامة حقيقية ظهرت لأول مرة من سنين: “النهارده مش هنام في الشقة اللي بتطل على النيل، ولا هفكر في الصفقات اللي هتم بكرة.. النهارده هفضل هنا، هقعد معاكي، وهحكي للولاد دول عن الوعد اللي قطعته لأمهم، وعن الشريط الأحمر اللي خلاني أعيش 22 سنة مستني اللحظة دي.”
قعدت هبة قدامه، وبدأت تحكي عن السنين اللي فاتت، عن الخذلان، وعن وقفتها في السوق، وعن وجعها اللي خبت ورا ابتسامتها البسيطة. ياسين كان بيسمع، وكل كلمة كانت بتنزل على قلبه بتغسل تراكمات السنين. الوقت عدى، والليل في العشوائيات كان أهدى بكتير من سكون شقته الفخمة. ولأول مرة، حس ياسين إن “الـ 47 مليون” اتحولوا لقيمة حقيقية، مش في العقارات اللي اشتراها، لكن في الليلة اللي قرر فيها يرمي كل ده ورا ضهره، ويلاقي هبة، اللي هي الوحيدة اللي عرفت “ياسين” الحقيقي، مش رجل الأعمال اللي الكل بيعمله ألف حساب.
وفي وسط ضلمة السطوح، ونور القمر اللي داخل من خرم الباب المخلع، قعدوا الاتنين، مش كأغنياء وفقراء، لكن كطفلين كبروا، بس لسه جوه كل واحد فيهم حتة من “شريط أحمر” ربط حكايتهم ببعض، حكاية أثبتت إن اللي بيتقسم في الصغر.. بيفضل باقي في العمر مهما طال الغياب.
……….
قضوا الليل كله بيحكوا، كل حكاية كانت بتشيل حجر من على قلب ياسين. ولأول مرة من سنين طويلة، غلبه النوم بعمق على الأرض الخشبية المتهالكة جنب ولاد هبة، في مكان ريحته تراب ورطوبة، بس كان أدفى من حرير سريره في النيل.
لما طلع النهار، وشمس القاهرة بدأت تلون سطح البيت بنورها الهادي، صحي ياسين على صوت حركة هبة في المطبخ الصغير الملحق بالسطوح. قام، نفض هدومه، وبص لنفسه في مراية مكسورة متعلقة على الحيطة؛ وشّه كان عليه إرهاق، بس عينيه كان فيها بريق غايب من زمان.
طلعت هبة ومعاها كوبايتين شاي بـ “النعناع”، ريحتهم رجعت ياسين لأيام المدرسة. قعدوا قصاد بعض، هبة بصتله وقالت: “ياسين.. أنت النهاردة رجعت لي، بس حياتك هناك مش هتسيبك. الشركة، الموظفين، العقود.. أنت مش مجرد شخص عادي دلوقتي، أنت كيان كبير، والناس اللي وراك مش هيسكتوا لو لقوك اختفيت.”
ياسين خد منها الكوباية، وبص في المية الصافية اللي فيها، وقال بهدوء غريب: “الكيان ده كبر على كتاف ناس تانية، وأنا النهاردة قررت أغير مساره. هبة، أنا مش جاي أقولك تعالي عيشي في قصري، أنا جاي أطلب منك نرجع نبني اللي ضاع. أنا عندي أراضي اشتريتها في المنطقة دي، كنت بشتريها عشان بس تكوني قريبة، هبني عليها مجمع سكني ومدرسة مجانية، ومركز تدريب للشباب، ويكون أنتِ المسؤولة عن كل ده.”
هبة اتفاجئت، حاولت تعترض، بس ياسين قاطعها بابتسامة: “لا، ده مش صدقة، ولا رد دين، ده استثمار في “الخير” اللي أنتِ بدأتيه بساندوتش واحد من 22 سنة. أنا النهاردة مش محتاج أثبت لحد إني غني، أنا محتاج أثبت لنفسي إن الـ 47 مليون دول كان ليهم سبب وجود.”
هبة سكتت، بصت لولادها اللي بدأوا يصحيوا على صوت عصفور واقف على حافة السطوح، وبصت لياسين اللي كان بيبص لها بإعجاب، مش كراجل لست، بس كإنسان بيشوف في عيونها “الأصل” اللي ضيعه في زحمة النجاح.
قامت هبة، وطلعت من صندوق صغير قديم حتة الشريط الأحمر التانية.. اللي كانت مخبياها زي ما هو خباها، ومدت إيدها لياسين. في اللحظة دي، مكنش فيه سور مدرسة، ولا فقر، ولا طبقات اجتماعية، كان فيه بس وعد اتصدق، واتنين قدروا يربطوا خيوط حياتهم ببعض من جديد، بعد ما الزمن حاول يقطع كل الوصل اللي بينهم.
ياسين وقف، وبص للبنايات القديمة اللي حواليهم، وأخد نفس عميق، لأول مرة في حياته، كان حاسس إنه وصل.. مش لنهاية الطريق، بس لأول محطة حقيقية في حياته، محطة اسمها “البيت”.
………








