.”
انهمرت الدموع من عيني دون إرادة مني. ركعت على ركبتي بجوار السـ,رير، وأمسكت بيمينها وضغطت عليها برفق:
-
حماتى وضرتى لمنى السيدمنذ 3 ساعات
-
ابنى مانطقش ولا كلمهمنذ 3 ساعات
-
رواية كاملةمنذ يومين
-
القصة كاملة بقلم محمد عبدهمنذ يومين
— “أنا عمري ما بطلت أحبك يا مريم. السكوت اللي شوفتيه يومها مكنش قلة حب، كان قلة حيلة. كنت حاسس إني عاجز، مش قادر أسعدك ولا قادر أديكي الحلم اللي بتتمنيه، وكنت فاكر بغبائي إن بعادي عنك هو اللي هيريحك. لما شوفتك في الكافيه وبطنك قدامك، الدنيا لفت بيا.. الشك والغيرة والغضب عموني في أول دقيقة، بس لما عرفت الحقيقة من طنط هدى، حسيت إني أصغر إنسان على الأرض. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تكفري عن ذنبي ده. مستعد أبدأ معاكي من الصفر، في المكان اللي تختاريه، وبالطريقة اللي تريحك.”
نظرت إليّ مريم طويلاً، وامتزجت في عينيها مشاعر الحب القديم بالخوف المستقبلي. مسحت دمعة هربت من عينيها وقالت:
— “الرجوع مش بالسهولة دي يا كريم. أنا اتغيرت.. الشهور الخمسة اللي عشتهم لوحدي في طنطا، بعيد عن القاهرة وزحمتها وذكرياتها، غيروني. اتعلمت أعتمد على نفسي، اشتغلت من البيت في تفصيل الملابس وتصميمها مع مشغل صغير هنا، وكنت بجهز نفسي إني أكون أم وأب ليوسف لوحدي. الخوف الجوايا إننا لو رجعنا دلوقتي تحت تأثير العاطفة وصدمة الولادة، نرجع نقع في نفس الغلطات تاني أول ما يوسف يكبر والروتين يرجع يبتلعنا.”
— “مش هيحصل يا مريم.. أنا اتعلمت الدرس، والله اتعلمته بالدم والدموع.”
— “عشان كده يا كريم.. أنا مش هقولك لأ، ومش هقولك آه. إحنا مش هنرجع لبعض دلوقتي. لما أخرج من المستشفى، هرجع شقتي في طنطا مع ماما. يوسف محتاج رعاية خاصة لأنه نزل في السابع، وأنا محتاجة وقت أرتب فيه أفكاري وأشوف إنت فعلاً اتغيرت ولا ده مجرد اندفاع مؤقت. إنت أبو يوسف، ليك الحق تشوفه في أي وقت، وتيجي تزورنا، وتتحمل مسؤوليته معايا خطوة بخطوة.. ومن هنا لحد ما الشهور تعدي، ربنا يقدم اللي فيه الخير.”
برغم أن إجابتها لم تكن الحضن الدافئ والعودة الفورية التي كنت أتمناها، إلا أنها كانت أعدل وأعقل إجابة يمكن أن أسمعها. كانت تمنحني فرصة.. فرصة حقيقية وملموسة لأثبت لها بالفعال لا بالأقوال أن كريم الجديد ليس هو كريم الذي تركها وراءه قبل خمسة أشهر.
قمت وقبلت رأسها باحترام:
— “أنا موافق يا مريم.. ومقنع بكل كلمة قولتيها. شقتك في طنطا، وأنا هفضل في القاهرة لشغلي، بس مفيش نهاية أسبوع، ومفيش إجازة، ومفيش يوم هيفوت من غير ما أكون هنا تحت رجليكي ورجلين يوسف. هثبتلك إن البيت اللي اتهد، هيتبني على أساس أقوى بمليون مرة.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ولأول مرة منذ لقائنا في الكافيه، شعرت بأن الأمل لم يعد مجرد سراب، بل أصبح حقيقة نلمسها بأيدينا.
مر أسبوع آخر، وجاء اليوم المنتظر.. يوم خروج مريم ويوسف من المستشفى.
كان يوسف قد تخطى مرحلة الخطر، وسمح الأطباء بخروجه شريطة توفير بيئة معقمة ودافئة له في المنزل، مع متابعة دورية للوزن والتنفس.
أحضرت سيارتي ونظفتها تمامًا، ووضعت فيها مقعد الأطفال الذي اشتريته خصيصًا بأفضل الخامات. ساعدت طنط هدى في حمل الحقائب، بينما كانت مريم تحمل يوسف الملفوف بغطاء قطني أبيض ناعم كالسحاب. كان المشهد في الشارع دافئًا، شمس طنطا اللطيفة كانت تودعنا ونحن نتجه إلى شقتهما الصغيرة في حي هادئ وقريب من وسط المدينة.
الشقة كانت بسيطة للغاية، مكونة من غرفتين وصالة، لكنها كانت ممتلئة بلمسات مريم الإبداعية.. ألوان دافئة، ستائر رقيقة صنعتها بيديها، ورائحة بخور هادئة تملأ المكان. بمجرد دخولنا، وضعت مريم يوسف في سريره الصغير الجديد، وجلست بتعب على الأريكة.
تحولت في الأيام التالية إلى ما يشبه الآلة التي لا تكل ولا تمل. كنت أستيقظ في الخامسة صباحًا في شقتي بالقاهرة، أنهي عملي في الشركة بتركيز مضاعف وسرعة جنونية، وفور انتهاء مواعيد العمل في الرابعة عصرًا، كنت أستقل سيارتي وأقطع الطريق الزراعي متوجهًا إلى طنطا.








