أخبار

ليلة أمس حين …

3

ليلة أمس حين

مرّ عبد القادر بجانبه، دون أن ينظر إليه، وقال بهدوء:

“غدًا… تبدأ قبل الفجر.”

رفع ياسين رأسه بصعوبة، وقال بصوتٍ مبحوح:

“أنا… لا أستطيع الاستمرار هكذا.”

توقف عبد القادر هذه المرة.

التفت إليه ببطء… ونظر إليه نظرة طويلة، ثم قال:

“وأمك لم تكن تستطيع.”

صمت.

كأن الجملة فوقه بثقلٍ لم يتوقعه.

اقترب خطوة، وأضاف بصوتٍ أهدأ، لكنه أشد وقعًا:

“كانت تعود من عملها متعبة… مثلما أنت الآن،

تقف في المطبخ لساعات… وتوفّر لك ما تحتاج،

وتدفع عنك أخطاءك… وتغطي عليك حين تخطئ،

وتنام وهي تفكّر كيف تحميك من نفسك.”

سكت لحظة، ثم قال:

“كانت تتحمّل… وحدها.”

لم ينظر إليه ياسين…

لكنه لم يعترض.

في تلك الليلة…

استلقى على فراشه بصعوبة، وجسده يئنّ من التعب، لكن لم يأتِ.

لم يكن الإرهاق وحده ما يمنعه بل صورة واحدة أمه.

لم يرها كما كان يراها دائمًا…

بل كما لم يحاول أن يراها من قبل.

امرأة… تتعب وتصمت وتتحمّل دون أن تشتكي.

شعر بشيءٍ يضغط على صدره.

ولأول مرة منذ سنوات…

لم يكن غضبًا.

وفي تلك اللحظة أدرك حقيقة واحدة فقط…

أنه لأول مرة في حياته لا يملك طريقًا للهروب.

مرّت الأيام ببطء، لكنّها لم تمرّ دون أثر.

تعلّم ياسين كيف يسير خلف القطيع، كيف يراقب حركته، وكيف يفهم صمته، لكنّه لم يتعلّم بعد كيف يكون حاضرًا بكل انتباهه.

وفي أحد الأيام، حين اشتدّ الحرّ، جلس قليلًا ليستريح، ظنّ أنّ الأمور تحت السيطرة وأنّ القطيع لن يبتعد.

لم يحتج الأمر أكثر من لحظة واحدة من الغفلة. ابتعد خروف قليلًا، ثم تبعته أخرى، ومع انشغاله لثوانٍ ظنّها عادية، كان القطيع قد اقترب من أرض وعرة لم ينتبه لها.

حين التفت أخيرًا، اندفع نحوهم مسرعًا، ويحاول أن يلحق بهم، لكن الوقت كان قد تأخر، فقد انزلقت إحداها أمام عينيه.

توقف في مكانه، ينظر دون أن يتحرك، وقلبه يخفق ، وكأن ما حدث أكبر من أن يستوعبه في تلك اللحظة. لم تكن مجرد خسارة عابرة، بل نتيجة مباشرة لإهماله، لحظة واحدة كشفت كل شيء.

بعد دقائق، وصل عبد القادر. نظر إلى الخروف ، ثم إلى ياسين، ولم يغضب ولم يرفع صوته، بل قال بهدوءٍ كان أشد وقعًا من أي صراخ:

“هنا… الخطأ له ثمن، وأنت اعتدت أن يدفع غيرك هذا الثمن.”

“ما حدث اليوم ليس خطأً عابرًا… بل هو طبع فيك.”

تجمّد في مكانه، وكأن الكلمات دفعة واحدة.

سكت عبد القادر لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:

“كما… امتدّ إهمالك اليوم ما لا يستطيع الدفاع عن نفسه.”

ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن اتهامًا بقدر ما كان مرآة وُضعت أمامه فجأة، ليرى نفسه كما هي، دون تبرير أو هروب. وفي تلك اللحظة، أدرك ما كان يتجنّب رؤيته طوال الوقت.

وفي مكانٍ آخر، لم تكن أمه تنتظر. في الدار البيضاء بدأت حياة جديدة بهدوء، حياة لا تقوم على أو التبرير.

أعادت ترتيب بيتها كما تريد، وتخلّت عن أشياء كثيرة كانت تحتفظ بها من أجله، حتى غرفته لم تعد كما تركها. لم تمحه من قلبها، لكنها توقفت عن الدوران حوله.

وصارت تخرج دون قلق، وتعود دون ، وتنام دون أن تنتظر صوت الباب كما كانت تفعل كل ليلة.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بالأمان.

مرّت الشهور، وتغيّر شيء في ياسين. لم يعد يصرخ كما كان، ولم يعد يحتج على كل شيء، بل صار يستيقظ قبل الفجر دون أن يُطلب منه، ويسير خلف القطيع بصمت مختلف. لم يكن ذلك الصمت راحة، بل فهمًا جاء متأخرًا، لكنه كان حقيقيًا.

في ذلك المكان ، لم يتعلّم ياسين العمل فقط… بل تعلّم أن يكون رجلًا، وأدرك أن إبعاده عن المدينة ورفاق السوء لم يكن عقابًا، بل كان أفضل قرار اتخذه والداه… ليُنقذاه من نفسه.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى