أخبار

في الثانيه عشر من عمري

“لكن… لماذا لم تعد بعد كل هذه السنوات؟” رفع أبي عينيه نحونا ببطء شديد، وقال بصوت خافت: “لأنها كانت تظن أن اقترابها منا سيعيد إلينا من جديد.” ثم أضاف بعد لحظة صمت: “وكانت تخشى أن يعثر عليها أصلًا. كانت تغيّر مكانها باستمرار، وتترك العمل كلما شعرت أن أحدًا بدأ .”

 

شعرتُ بأن شيئًا ينهار داخلي ببطء بينما أكمل أبي حديثه: “كانت ترسل رسائل أحيانًا.. تسأل عنكن.. وتطلب أن أطمئنها عليكن فقط.” ثم فتح درج الخزانة القديمة بجواره، وأخرج ظرفًا صغيرًا وناولني إياه بصمت. فتحته بيد مرتجفة، وكانت تلك آخر رسالة من أمي:

“حيدر… إذا كبرت زهراء يومًا وهي تكرهني، فلا تخبرها أنني كنت أراقبها من بعيد كل هذه السنوات. دعها تكرهني إن كان ذلك سيجعلها تعيش بأمان.”

توقفتُ عن القراءة، شيء داخل صدري. كل تلك السنوات كنت أظن أنها نسيتنا، بينما كانت تعيش مختبئة وتراقبنا من بعيد خوفًا علينا. رفعتُ رأسي نحو أبي الذي كان جالسًا بصمت وعيناه مثبتتان على الأرض، وهمستُ بصوت مرتجف: “كانت تأتي فعلًا؟”

أومأ ببطء وقال: “أحيانًا.. كانت تقف آخر الشارع بعد المغرب، ترى نور وهي تعود من المدرسة، وتبقى تراقب نافذة غرفتك دقائق طويلة ثم ترحل.” تذكرت فجأة تلك المرأة التي رأيتها أكثر من مرة قرب البقالة القديمة، التي كانت تخفض وجهها كلما مررت بجانبها. يا الله.. هل كانت أمي؟

قال أبي بصوت متعب: “كانت خائفة أن يعرف رامز أنها اقتربت منكن. كانت تقول دائمًا إن ابتعادها هو الشيء الوحيد الذي يبقيكن بأمان.” ثم ساد صمت ثقيل ومؤلم، كأن البيت كله يحاول استيعاب السنوات الضائعة والحقيقة المرة دفعة واحدة.

نهاية
مرّت أسابيع بدأ فيها كل شيء يتغيّر ببطء. وفي إحدى الأمسيات، ظهر خبر على الشاشة: “تم الكشف عن تورط رجل الأعمال رامز السامرائي ضمن شبكة كبيرة أصحاب الديون “، وظهرت تقارير عن  وعقارات بأسماء . اكتشف الناس أن الرجل الذي بدا محترمًا طوال سنوات لم يكن سوى واجهة

وبعد أيام، أُلقي القبض عليه أخيرًا. رأيته محاطًا برجال الشرطة يحاول إخفاء وجهه، بينما جلست أختي نور تبكي من شدة الارتياح. لأول مرة منذ سنوات، شعرتُ أن الخوف بدأ يخرج من البيت فعلًا.

منذ تلك الليلة، بدأ هاتف أبي يرنّ مجددًا.. كانت أمي. بدأت المكالمات قصيرة ومترددة، ثم تحولت إلى رسائل طويلة مليئة بالتعب والندم. كان أبي يجلس قرب النافذة ممسكًا بهاتفه، وسمعته ذات ليلة يقول لها بصوت مكسور: “تعبنا يا أم زهراء… ارجعي.. والله ما عاد يهمني شيء غير أن تعودي.”

العودة واللقاء
بعد شهر تقريبًا، انتشر خبر رامز داخل زنزانته، ورغم تهمس الناس بأن أطرافًا أخرى قررت ، إلا أننا لم نعد نملك طاقة للبحث خلف الحقيقة. كان يكفينا أن كل شيء انتهى.

وبعد أيام قليلة، عادت أمي.. في وضح النهار. رأيتها تنزل من سيارة الأجرة آخر الشارع، تحمل حقيبة صغيرة وشعرها امتلأ بخصلات الشيب، لكنها حين رفعت رأسها، رأيت أمي التي عرفتها دائمًا. ركضت نور نحوها باكيّة، بينما وقف أبي مذهولاً. اقتربت مني ببطء وقالت بصوت مرتجف: “هل ما زال هناك مكان لي بينكم؟”

احتضنتها بقوة.. احتضنت المرأة التي كرهتها نصف عمري قبل أن أفهم كم كانت تحاول حمايتنا وهي وحدها. في تلك الليلة، عاد صوت ناظم الغزالي يملأ البيت، وعاد أبي يغني بصوت خافت وهو يُعد الشاي.

أما أنا، فوقفتُ أمام المرآة أتأمل وجهي وتذكرتُ تلك الطفلة التي ظنت لسنوات أنها السبب في عائلتها، وهمستُ لها أخيرًا: “لم يكن ذنبكِ أبدًا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى